والطاعة وان لم يوافقه في المرتبة .
ثم لما علم الشارع ان جميع افراد الانسان لا يرتقون من حضيض البشرية إلى مدارج العقل ، فلا بد لهم من طاعة بدنية ورياضة تكليفية وسياسة يخالف أهوائهم الطبيعية ، فلم يدعهم برحمته الشاملة ان يسلموا عن التكليف والخطاب ويرتعوا في مراتع الدواب ولم يذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلهوا فحشروا مع الوحوش والبهائم يوم الحساب .
فسلك بهم طريقا ومهد قاعدة وكلفهم بهذه الاعداد والهيئات تنبيها وعين عليهم هذه الأوقات تذكيرا وتكريرا ليرتبطوا بالانسانية ويتشبهوا بظواهر حقيقة الانسان ويمنعهم عن التشبه بسائر الحيوان ، فسهل لهم وسامح معهم بالسهلة السمحاء وأقر لهم بهذا الامر الظاهر فقال : صلوا كما رأيتموني اصلى ، وفي هذا مصلحة كثيرة لا يخفى على العاقل وان لم يقربه الجاهل .
واما القسم الحقيقي من الصلاة الّذي هو مشاهدة الحق الأول والمعبود الأعظم بالقلب الصافي والعقل المجرد والنفس الزكية المطهرة عن الأماني والاغراض الشهوية والغضبية : فهذا القسم لا يجرى مجرى الاعمال البدنية والتكاليف الحسية وانما يجرى مجرى الخواطر الصافية والمعارف الباقية وإليه أشار النبي صلوات اللّه عليه وآله :
المصلى مناج ربه .
فان مناجاة الرب بالعقل الدراك العلام لا بالأركان والأجسام ، فان هذه المكالمة والمناجاة لا يصلح الا لمن يحويه مكان ويطرأ عليه زمان ، اما الواحد المنزه عن الأمكنة والجهات ، المقدس عن الأزمنة والأوقات ، ومن لا يتغير ذاته بوجه ولا تبدل له الأحوال والصفات ، فكيف يعاينه ويكالمه الانسان المشكل المجسم المتحيز المتمكن بهيكله وجسمه وقواه وحسه ؟
ومن عادة الجسم والجسمي ان لا يناجى ولا يجانس ويؤانس الا من يراه ويشير إليه ، ومن لم ينظر إليه يعده غائبا بعيدا والمناجاة مع الغائب محال ، ومن الضرورة انه تعالى بعيد عن الأجسام غائب عن الابصار ، كيف والجواهر العقلية التي هي من
شرح أصول الكافي — صفحة 483
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٨٣