أحدهما مهلك والاخر منجى ، فإن كان تقوية أحدهما بقدر تقوية الاخر وكان كالمستضر بالحرارة إذا تناول من المسخنات ما يضره ثم تناول من المبردات ما يقاوم قدر قوته فيكون بعد تناولهما كأنه لم يتناولهما ، وان كان أحدهما غالبا لم يخلو الغالب عن اثر .
فحكم الاعمال تأثيرا في القلب كحكم الأغذية والأدوية تأثيرا في البدن ، هكذا جرت سنة اللّه فلا يضيع مثقال ذرة من الخير والشر ولا ينفك عن تأثير في القلب بتنويره أو تسويده وتقريبه من اللّه وتبعيده ، فإذا جاء بما قربه شبرا مثلا وكان ممتزجا بما يبعده شبرا فقد عاد إلى ما كان فلم يكن لا له ولا عليه ، وان كان الفعل مما يقربه شبرين والاخر يبعده شبرا واحدا فله لا محالة فضل شبر ، قال تعالى :
إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ
( هود - 114 ) .
وفي الحديث : من اتبع السيئة الحسنة تمحها ، وإذا كان الرياء يمحوه الاخلاص المحض عقيبه فإذا اجتمعتا جميعا فلا بد أن يتدافعا بالضرورة ، ويشهد لهذا اجماع الأمة على أن من خرج حاجا ومعه تجارة صح حجه وأثيب عليه وقد امتزج به حظ من حظوظ النفس ، وربما يقال : انما يثاب على اعمال الحج عند انتهائه إلى مكة وتجارته غير موقوفه عليه فهو خالص ، وانما المشترك قطع المسافة ولا ثواب فيه مهما قصد تجارة ، ولكن الصواب ان يقال : مهما كان قصد الحج هو المحرك الأصلي وكان غرض التجارة كالتابع والمعين فلا ينفك نفس السفر من ثواب .
وكذا الغزاة وان وجدوا في نفوسهم تفرقة بين غزو الكفار في جهة تكثر فيها الغنائم وبين جهة لا غنيمة فيها ، لكن يبعد ان يقال : وجدان هذه التفرقة يحبط بالكلية ثواب جهادهم ، بل الحق ان يقال : إذا كان الباعث الأصلي والمزعج القوى اعلاء كلمة اللّه تعالى وانما الرغبة في الغنيمة على سبيل التبعية فلا تحبط به الثواب ، نعم : لا يساوى ثوابه ثواب من لا يلتفت قلبه إلى غنيمة أصلا ، فان هذا الالتفات نقصان لا محالة .
فان قلت : الآيات والاخبار تدل على أن شوب الرياء محبط للثواب كقوله تعالى :
فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً
( الكهف - 110 ) ، وفي الحديث عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : يقال لمن اشرك في علمه : خذ اجرك ممن عملت له ،