تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 467

مساهمون:

ص٤٦٧
واما بيان حقيقة الاخلاص فاعلم : ان الخالص من كل شيء ما لا يمتزج بغيره ولا يشوبه ما يخالفه ويضاده ، فالخالص من الذهب ما لا يشوبه الحديد أو النحاس أو غيرهما ، والخالص من اللبن هو ما صفى ولا يخالط بفرث أو دم أو غيرهما قال سبحانه :
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ
( النحل - 66 ) . فالاخلاص يضاده الاشراك المعبر عنه هاهنا بالشوب ، الا ان للشرك والشوب درجات : والشرك منه خفى ومنه جلى وكذلك الاخلاص ، وهما اعني الاخلاص والشرك يتواردان على القلب ومحله القلب ، والاخلاص والتشريك قد يكونان في الإلهية والتوحيد اى في المبدأ تعالى من حيث كونه مبدأ خالفا للأشياء ، فالموحد يضاده المشرك كالثنوى والمجوس وغيرهما . والتشريك في العبادة اى في كونه معبودا هو الرياء وما يجرى مجراها من حظوظ النفس ، فمن يصلى النوافل ليقال انه عابد ويتعظم قدره عند الناس أو يصوم لينتفع بالاحتماء عن الطعام أو يحج للتجارة أو يغزو طلبا للاشتهار بالشجاعة أو يكتب مصحفا ليجود بالمواظبة خطه أو يتوضأ للتنظيف أو التبريد أو يعود المرضى ويشيع الجنائز ليعرف بالخير ويذكر بالصلاح وينظر إليه بعين التوقير والتعظيم وكذلك أمثال هذه الأمور ، فإن كان باعثه هو التقرب إلى اللّه تعالى ولكن انضاف إليه هذه الخطرات فقد خرج عمله من حد الاخلاص ولم يكن خالصا لوجه اللّه وتطرق الشرك إليه . وبالجملة كل عمل تطرق إليه حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس والهواء قليلا كان أو كثيرا فقد خرج عن الخلوص وتكدر بالمشوب ، وأكثر الناس لكونه منغمسا بالشهوات منهمكا بحظوظ النفس قل ما ينفك فعل من افعاله وعبادة من عباداته عن غرض نفساني ولهذا قيل : من سلم له في عمره خطرة واحدة خالصة لوجه اللّه نجى ، وذلك لعزة الاخلاص وعسرة تنقية القلب عن هذه الشوائب ، بل الخالص هو الّذي لا باعث له الا طلب القرب منه تعالى . وهذه الحظوظ ان كانت هي الباعثة فقط فلا يخفى شدة الامر على صاحبه ، وانما