كلامنا فيما إذا كان القصد الأصلي هو التقرب وانضاف إليه شيء من هذه الأمور . ثم مراتب الشوب بالحظوظ متفاوتة ، بعضها في رتبة المشاركة وبعضها في رتبة المعاونة ، وكل من المشاركة والمعاونة أيضا مختلفة في القوة والضعف والقلة والكثرة ، وانما الخالص ما يتجرد النية فيه لقصد التقرب إليه تعالى عن هذه الشوائب كلها ، وهذا لا يتصور الا من عارف محب للّه مستغرق الهم بالآخرة .
قال بعض العرفاء : ان الاخلاص عند علمائنا اخلاصان : اخلاص العمل واخلاص طلب الاجر .
اما اخلاص العمل للّه فهو إرادة التقرب إلى اللّه تعالى وتعظيم امره وإجابة دعوته والباعث عليه الاعتقاد الصحيح ، وضد هذا الاخلاص النفاق وهو التقرب إلى من دون اللّه ، إذ النفاق ، هو الاعتقاد الفاسد الّذي للمنافق في اللّه تعالى وليس هو من قبيل الإرادة والنية ، واما الاخلاص في طلب الاجر فهو إرادة نفع الآخرة بعمل الآخرة .
انتهى كلامه .
أقول : مراده من الأول ان يكون منشأ العمل هو الاعتقاد الصحيح ومعبوده الا له الحق ، وضده النفاق وهو ان يكون منشأ العمل هو الاعتقاد الفاسد ومعبوده غير ما هو المعبود بالحق مما يظنه إلها كما في قوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ
( الجاثية - 23 ) ، ومن الثاني ان لا يريد بعمل الآخرة كالصلاة والصوم نفع الدنيا ، وأيضا يجب ان يكون عمل من يريد نفع الآخرة عملا أخرويا لا عملا دنيويا ، ومعنى العمل الأخروي ان لا يكون فيه حظ نفساني أو لذة جسمانية أو راحة بدنية .
والعمل الدنيوي ما يكون فيه شيء من هذه الأمور ، والدنيا والآخرة حالتان للنفس متخالفتان ، فكل ما فيه حظ النفس فهو من الدنيا من هذه الجهة وان كان صلاة وصوما وكلما فيه خلاف النفس فهو من الآخرة وان كان اكلا ونكاحا ، فلا ينفع شيء من الدنيا في نيل الآخرة كما لا ينفع شيء من الآخرة في نيل الدنيا ، بل هما كضرتان وككفتى الميزان رجحان كل منهما خسران الأخرى .
فان قلت : فما حكم العمل المشوب في استحقاق الثواب أو العقاب أو لا