السامع قال اللّه تعالى :
لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً
( النساء - 78 ) لان كفار قريش لما كانوا أرباب الشبهات والشهوات والطبائع الغليظة والقلوب القاسية ، فما كانوا يقفون على ما في كتاب اللّه من المعاني اللطيفة والمعارف الحقيقية ، لا جرم افصح اللّه عن عدم استعدادهم للاطلاع على المقصود الأصلي من انزال ذلك الكتاب .
والمراد من الفهم هاهنا هو ملكة الاقتدار على فهم المعنى من اللفظ أو مطلقا ، ومرجعه إلى صفاء السر ولطافة الضمير وهو من اجل صفات العقل ، وضده الغباوة وهي عدم التفطن للمعنى ومنشؤه ظلمة النفس وكثافة الباطن واحتجابه عن عالم النور ومعدن الحضور ، فالأول من صفات العقل والنور والثاني من صفات الجهل والظلمة .
قوله عليه السلام : « والمعرفة وضدها الانكار » وقد اختلفت الأقوال في تفسير المعرفة فمنهم من قال : انها ادراك الجزئيات والعلم ادراك الكليات . ومنهم من قال : انها ادراك البسائط تصورا كان لماهياتها أو تصديقا بوجوداتها والعلم ادراك المركبات سواء كان باعتبار تصور ماهياتها أو التصديق باحوالها ، ومن ثم يقال : عرفت اللّه ولا يقال : علمته .
ومنهم من قال إنها عبارة عن الادراك التصوري والعلم هو الادراك التصديقي ، وهؤلاء جعلوا العرفان أعظم رتبة من العلم قالوا : لان تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود امر معلوم بالضرورة .
واما تصور حقيقة واجب الوجود فامر فوق الطاقة البشرية « 1 » ، لان الشيء ما لم يعرف لم يطلب ماهيته ، فعلى هذا الطريق كل عارف عالم من غير عكس « 2 » ، ولذلك فان الرجل لا يسمى عارفا الا إذا توغل في بحار العلوم وميادينها وترقى من مطالعها إلى مقاطعها ومن مباديها إلى غاياتها بحسب الطاقة البشرية .
هامش
( 1 ) الظاهر أنه دليل لعدم امكان تصور حقيقة الواجب ، لان الشيء ما لم يكن شأنه ان يعرف ويحصل في الذهن لم يطلب ماهيته ، والواجب لم يكن شأنه ان يحصل في الذهن .
( 2 ) لان المعرفة ان كان بالنحو الشهودي الحضوري ، فهذه المعرفة يكون تصديق بوجوده دائما ولا عكس ، مع أن في كل تصديق لا بد من معرفة وتصور ، وكل تصور خاص يلزمه التصديق الخاص واما كل تصديق خاص فلا يلزمه التصور الخاص .