الأخيران نحو ان من الجهل ، ولأنهما عدميان وذانك وجوديان والوجود خير والعدم شر .
ومما يجب ان تعلم هاهنا : ان الادراك كما علمت حسى وعقلي وهذه الاقسام جارية في كل منهما ، وحافظة المحسوسات يجوز ان يجتمع مع مدركتها في ذات واحدة لكونها جسمانية ، والجسم الواحد كالدماغ يقبل الانقسام فيصح ان يتعلق ببعضه قوة الاحساس وببعضه قوة الحفظ .
واما الذات البسيطة كالعقل الانساني ، فلا يجوز ان يجتمع فيها القوتان ، لكون أحدهما انفعالية لها جهة القبول اعني الادراك والأخرى فعلية لها جهة الفعل اعني الحفظ والجهتان مختلفتان بالذات مكثرتان للموضوع ، فخزانة المعقولات يجب ان يكون امرا قدسيا مفارق الذات وجوده في عالم الملكوت الاعلى .
فان قلت : فكيف يتصور معنى النسيان الّذي ذكرته في العقليات لامتناع التغير في المفارق وزوال الصورة عنه ؟
قلنا : كون ذلك الجوهر خزانة لنفوسنا امر نسبى إضافي ، معناه : كون النفس بحيث تحصل لها ملكة الارتباط به والاقبال عليه ، فإذا أقبلت عليه ، قبلت عنه وإذا اشتغلت عنه بجانب الحس ، انمحت الصورة العقلية عنها ، وهو نور من أنوار اللّه نسبته إلى قلب المؤمن كنسبة الشمس إلى الابصار الصحيحة وإلى نفوس الكفرة كنسبة الشمس إلى عيون العميان ،
وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
( النور - 40 ) .
قوله عليه السلام : « والتعطف وضده القطيعة » ، عطف عطوفا اى ملت ، وعطفه عطفا فانعطف اى أماله ، وقولهم : عطف عليه ، اى اشفق عليه ورحمه لان في الرحمة ميلا وانعطافا إلى المرحوم ، وعطف الوسادة ثناها والعطف والعطاف الرداء ، وتعطفت به اى ارتديت ، ومنه : سبحان من تعطف بالعز وقال به اى تردى بالعز ، فالعطوفة مأخوذة من الاشتمال على الشيء كان المتعطف على أحد ضمه إلى نفسه .
والوجه في كون العطوفة من صفات الكمال والقطيعة من صفات النقص . ان وجود الشيء كلما أكمل وأقوى كان أكثر آثارا واتباعا وأكثر جمعا للحقائق ، وكلما كان انقص وأضعف ، كان أقل اثرا وأشد قبولا للتفرقة والقطع من الغير ، الا ترى ان