الّذي هو ضروري محتاج إليه ، ثم يظهر فيه شهوة اللعب والزينة ثم شهوة النكاح على الترتيب وليس له قوة الصبر البتة .
إذ الصبر ، عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند اخر قام القتال والحرب بينهما لتصادم مقتضياتهما ومطالبهما وليس في الصبى الا جند الهوى كما في البهائم ، ولكن اللّه أكرم ابن آدم وفضله على كثير من خلقه تفضيلا ، فرفع درجته عن درجة البهائم ، فوكل به عند تمام شخصه البدني ملكين : أحدهما يهديه والاخر يقويه ، فيميز بمعونتهما عن البهائم واختص بصفتين : إحداهما المعرفة باللّه وآياته وكتبه ورسله والهدى لسلوك سبيله والوصول إلى اليوم الآخر والقرب منه تعالى وكل ذلك من الملك الهادي وهو المسمى في هذا الحديث بالعقل ، فان هذا العقل في الابتداء هاد ومعلم وفي الانتهاء عين وكمال ، ولكن هذه الهداية غير كافية ما لم يكن له قدرة على ترك ما يضر .
فكم من مضر يعرفه الانسان كالمرض النازل به مثلا ولكن لا يقدر على دفعه ؟
فافتقر إلى قدرة وقوة يدفع بها في نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوة حتى يقطع عداوتها عن نفسه ، فوكل به ملكا اخر يسدده ويقويه بجنود لم تروها وامر هذا الجند بقتال جنود الشهوة فتارة يضعف هذا الجند وتارة يقوى بحسب امداد اللّه عبده ، كما أن نور الهداية أيضا يختلف في الخلق اختلافا كثيرا لا ينحصر .
فلنسم هذه الصفة التي بها فارق الانسان البهيمة في قمع الشهوات وقهرها :
باعثا دينيا ، ولنسم مطالبة الشهوات بمقتضاها : باعث الهوى ، وليعلم ان القتال قائم بينهما ومعركة هذا القتال قلب العبد ، ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب اللّه تعالى ومدد باعث الهوى من الشياطين الناصرين لأعداء اللّه وحزب الشيطان .
فالصبر ، عبارة عن ثبات باعث الدين وهو جند العقل في مقابلة باعث الهوى وهو جند الجهل ، فان ثبت وصبر واستمر على مخالفة الشهوة ، فقد نصر حزب اللّه والتحق به ،
وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ *
( البقرة - 153 ) ،
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ