وهذه الحالة هي الفناء في التوحيد الّذي أنكره أكثر العلماء فضلا عن غيرهم ، وهي نهاية السير إلى اللّه وبعدها درجات كثيرة لا يكشف عنها المقال غير الخيال ، مع أن الكلام فيها يوجب شنعة الجهال ويحرك سلسلة الحمقى والمجانين من أهل الجدال فلنعرض عن ذكره ، ومن أراد معرفة ذلك فليجتهد في ان يصير من أهل المكاشفة دون المشافهة ومن الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر ، وكل ميسر لما خلق له .
فقد ظهر ان الصمت من جملة أحوال السالكين المجاهدين في طريق الحق المهاجرين إلى اللّه ، والهذر والهذيان في الكلام من صفات المجانين والجهال والمستغرقين في بحر الشهوات ، فيكون الأول من جنود العقل والثاني من جنود الجهل .
قوله عليه السلام : « الاستسلام وضده الاستكبار والتسليم وضده الشك » .
الاستسلام وهو الطاعة والانقياد لكل ما هو حق وهو من صفات المؤمن ، وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قوله : المؤمنون هينون لينون ان قيدوا انقادوا وان انيخوا استناخوا ، وفي رواية اخر بلفظ اخر : المؤمن هين لين ان قيد انقاد وان أنيخ استناخ ، والياء في اللفظين الواقعين خبر المبتدأ جاءت مشددة مكسورة ومخففة ساكنة في كلتا العبارتين ، وضد الانقياد الاستكبار وهو التمرد والانفة .
والفرق بينه وبين الكبر ، ان الكبر حالة نفسانية كامنة في النفس ، ربما لم يظهر اثره في الخارج بخلاف الاستكبار فإنه عبارة عن اظهار التكبر ، والمراد بالتسليم ، هاهنا هو الاذعان والتصديق القلبي وضده الشك ، وانما لم يجعل ضده الجحود والانكار والتكذيب لان المقصود هاهنا نفس التصديق في اى شيء كان لا في شيء خاص دون شيء ، فان شأن العقل الحكم القطعي وليس ذلك من شأن النفوس الوهمانية ، وكذلك النفوس الحيوانية الغير الناطقة ، إذ لا يمكنها الحكم الفصلى في اى شيء كان بل شأنها الشك وما يجرى مجراه دون القطع ، فبهذا المعنى الشك ضد التسليم إذ ليس المراد منه التحية والتعظيم .
قوله عليه السلام : « والصبر وضده الجزع » .
شرح أصول الكافي — صفحة 450
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٥٠