تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
في الآخرة واقباله إلى اللّه . وثالثها الصمت : فإنه يسهل العزلة ، وان الكلام يشغل القلب وشره القلوب للكلام عظيم فتتروح إليه وتستثقل التجرد للذكر والفكر فيجب ان يعالج هذا المرض بالصمت ، فالصمت يلقح العقل ويجلب الورع والتقوى ويلقن العقل بالحكمة وينطق به لسان التكلم مع الحق . ورابعها الخلوة : وفائدتها دفع الشواغل وضبط السمع والبصر ، فإنهما دهليزا - القلب يدخل منهما إليه من الشواغل والمفاسد والوساوس ما يزعجه ويغيره عما هو عليه من قصده ، فلا بد من ضبطها وليس يمكن ذلك الا بالخلوة في مكان مظلم ، فإن لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في الجيب أو يتدثر بكساء أو ازار ، ففي مثل تلك الحالة يسمع نداء الغيب ويشاهد الحضرة الربوبية وعالم الملكوت ، أما ترى ان نداء الحق بلغ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وهو على هذه الصفة فقيل له :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ
( المزمل - 1 ) ،
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
( المدثر - 1 ) . فهذه الأربعة جن وحصن حصين يدفع عن السالك قواطع الطريق والموانع ، ثم يشغل بعده بسلوك طريق الحق والذهاب إليه تعالى بقطع المنازل إليه وطي العقبات . وما هي الا صفات القلب التي سببها الالتفات إلى الدنيا ، فيشتغل بمحو آثارها وتبديل سيئاتها بالحسنات وتجرد قلبه عن كل خاطر ردئ بل عن كل ما يشغل سره عن الحق ، فيجعل همومه هما واحدا بحيث يكون فكره وهمه وشغله مستغرقا في ملاحظة الحق ، ولا يخطر بباله غير اللّه ، وهذا باستيلاء حب اللّه على القلب حتى يكون في صورة العاشق المستهتر لا هم له الا المعشوق . فإذا دام على هذه الحالة مدة فيترقى نفسه إلى عالم الربوبية ، فيتجلى له الحقائق أولا في كسوة الأمثال ، ثم يمعن في الرياضة والمجاهدة حتى يرتفع الأمثلة من البين ويفنى في العين فيرى الحق في كل شيء ويرى به كل شيء ، فيكون الحق سمعه وبصره كما ورد في الحديث القدسي .