تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
اعلم هداك اللّه بنور البصيرة وأيدك بقوة الصبر : ان الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل الذاهبين إلى اللّه بقدمى التقوى واليقين ، وقد علمت أن جميع المقامات انما ينتظم من معارف وأحوال واعمال ، وان المعارف هي الأصول وهي تورث الأحوال ، والأحوال تورث الاعمال ، هذا بحسب البداية والمبدئية واما بحسب الغاية والثمرة فبالعكس ، فغاية الاعمال ان يترتب عليها الأحوال كتصقيل المرآة غايته الصفاء والجلاء عن الكدورة ، وغاية الأحوال ان يترتب عليها حصول العلوم والمعارف كصفاء المرآة ، فائدتها ان يتجلى فيها صور المبصرات ، لان نفس الصفاء والزكاء امر عدمي ولا كمال يعتد به في الاعدام أنفسها ، فاذن العلم هو المبدأ والغاية في كل مقام ومنزل . واسم الايمان تارة يخص بالمعارف وتارة يطلق على الكل كما ذكر في موضعه ، فكذلك الصبر لا يتم الا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة بالقلب ، والصبر على التحقيق ، عبارة عنهما والعمل كالنتيجة والفرع يصدر عنهما ، ولا يعرف هذا الا بمعرفة ترتيب الوجود بين الملائكة والانس والبهائم . فان الصبر خاصية الانس ولا يتصور ذلك في البهائم ولا في الملائكة . اما في البهائم فلانحطاطها ونقصانها . واما في الملائكة فلكمالها وتمامها فإنها بالفعل في كل ما يصح ويمكن لها من غير قوة واستعداد ومهلة وانتظار ، فليس فيها كمال منتظر بل كل له مقام لا يتعداه . وبيانه بالتفصيل : ان البهائم سلطت عليها الشهوات وصارت مسخرة لها فلا باعث لها على الحركة والسكون الا الشهوة ، وليست فيها قوة أخرى تصادم الشهوة وتردها عن مقتضاها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى تلك الشهوة صبرا . واما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى الحضرة الربوبية والابتهاج بدرجة القرب والخدمة ولم يسلط عليها شهوة صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن الطاعة والخدمة بجند اخر يغلب الصوارف ويدفعها . واما الانسان فخلق في ابتداء الصبا ناقصا كالبهيمة لم يخلق فيها الا شهوة الغذاء