لكثرتها ووصفت بالظلمة لكونها ساترة لنور العلم غاشية على بصيرة أصحابها .
فان قلت : هذا الجوهر الظلماني أو أحد أو كثير ؟
قلنا : واحد بحسب الحقيقة متعدد بحسب المراتب في الشدة والضعف ومتكثر أيضا بحسب التشخص العددي ، وقد يكون لها افراد في مرتبة واحدة من القوة مختلفة بالتعينات واللواحق المشخصة .
فان قلت : الشر لا ذات له فذاته ووجوده من اى نوع من أنواع الجواهر ؟
قلت : الشر الحقيقي مع كونه عدميا قد يكون من افراد الوجود عندنا ومن هذا القبيل وجود الآلام ، لأنها عبارة عن الادراك الحضوري لحصول فقد ما وزوال حالة ملائمة ، مثل تفرق الاتصال الحاصل في العضو اللامس ، فإنه لو لم يكن القوة اللامسة سارية في العضو المقطوع ، لم يكن هذا الألم موجودا لها .
وكذا لو أدركت النفس بقوة أخرى غير اللمس الساري في ذلك العضو تفرق اتصاله لم يكن لها هذا الأذى الشديد ، بل إن كان فعلى نوع اخر منشؤه ضرب اخر من الشر العدمي لوجوده أيضا لها عند ذلك ، فان وجود كل شيء هو تمام شيئيته وتأكد ماهيته وان كان ذلك الشيء عدما . فافهم هذا فإنه من دقائق العلوم وبه ينحل كثير من الاشكالات .
فاذن نقول : هذا الجوهر وان كانت جوهريته من باب العقل لكنها ضعفت العقلية فيه وبلغت إلى الغاية من النقص والابهام والقصور حتى تقومت بالوهميات الكاذبة وتباعدت عن الحق والنور حتى تعينت بالجهالات واتحدت بالظلمات فصار وجوده عين الشر والآفة وعقله نفس الجهل والشقاوة ونوره محض الظلمة والاحتجاب .
قوله عليه السلام : « فقال له : ادبر فادبر » اى امر اللّه له امر التكوين : اهبط من عالم الملكوت والنور إلى عالم الظلمات ، فهبط مصلحة للنظام وابتلاء من اللّه تعالى للأنام ، إذ نظام هذا العالم وعمارته لا ينصلح الا بنفوس شريرة وقلوب قاسية وتكميل المهتدين والسعداء لا يتمشى الا بوجود الأشقياء المردودين .
شرح أصول الكافي — صفحة 407
مساهمون: محمد خواجوى
ص٤٠٧