لا يلعن بالعداوة إذ لا يقدر على امضائها .
فجعل تارة يكتسب لنفسه صفات مشبهة وعلوما مموهة وأقوالا مزخرفة يتراءى عند الجهال انها من محاسن العلوم والأقوال وفضائل الصفات والأحوال تمويها على الخلق وتمشية لحظوظ عاجلة واغترارا بنفسه الجهولة المكارة العسوفة وبدنياه الغدارة المئوفة ، وتارة يريد المعارضة مع أهل العقل والكمال والمقاومة مع أصحاب الفضل ونور الحال بصفات تضاد صفاتهم .
فالتطارد بين حزب اللّه وحزب الشيطان واقع إلى يوم القيامة كما قال :
وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً
( الممتحنة - 4 ) « 1 » .
وإليه الإشارة في قوله عليه السلام : « فقال الجهل يا رب هذا خلق مثلي » اى في كونه مخلوقا لك كما انى مخلوق أيضا لك ، ويحتمل ان يكون هذا القول منه اى ادعاء المماثلة بينه وبين العقل أو العاقل بما هو عاقل من باب الاغترار ، والا فأين المماثلة بين المخلوق من نور اللطف والرحمة وتجلى صفة المحبة والجمال وبين المخلوق من نار القهر والغضب وتجلى سطوة العزة والجلال كما في البداية ، وكذا بين المتكون من ماء العلوم ونور الأحوال وطهورية القلب وانكسار النفس وارض العبودية وبين المتكون من مادة الجهالة ورجس الكفر ودنس المعصية ونار الاستكبار كما في النهاية .
« خلقته وكرمته وقويته وانا ضده ولا قوة لي به » لما رأى الجهل رؤية ظن وتوهم وحسبان لا رؤية بصيرة وايقان وعرفان ما كرم اللّه به العقل وقواه في الابتداء وأفاض عليه من نور كرامته بما يتقوى به في الطيران إلى عالم الربوبية في الانتهاء ، وما فضله على كثير من خلقه تفضيلا وأنعم عليه وأيده بما هداه من نعمه جملة وتفصيلا ، تحركت فيه نار الحسد الكامنة في باطنه عند الابتداء واشتعلت شعلات نار الجحيم التي ستبرز وتسعر يوم القيامة في الانتهاء ، فالتمس لنفسه المكافاة والمعارضة مع العقل وان لا يقصر عن مقابلته ومضادته في كل ما يحسبه كما لا ويعده فضيلة .
هامش
( 1 )وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ( المائدة - 64 ) .