الّذي هو عين ذاته تعالى وعين علمه بذاته الّذي هو العلم بجميع المعلومات على وجه اشرف وأعلى ، واما العقل الّذي هو اخر الموجودات في النهاية فمن الأنوار المترادفة والتعقلات المتكررة حتى صارت ملكة ثم صورة جوهرية بسيطة قائمة ، فعلى كلا الوجهين كان العقل مخلوقا من نور العلم وماء الحياة الصافي عن كدورة الجسم وظلمة الهيولى وغشاوة العدم وامتزاج الشر والآفة .
واما خلق هذا الجوهر النفساني المسمى بالجهل فإنما يكون وجوده من اللّه تعالى لا بالذات والاصالة بل بالتطفل والتبعية من الجهات « 1 » ، ففي الابتداء خلق من منبع الشر وهو الجهة الامكانية في بعض العلل الأوائل « 2 » ومن قابل الشر وهو المادة التي بها تعلق الوجود النفساني ، فان المادة البدنية علة قابلية لتشخص النفس كما ثبت في مقامه وان الهيولى الجسمية انما نشأت من أواخر العقول من حيث جهة امكانها .
فقوله : خلق اللّه الجهل من البحر الأجاج ، يكون الإشارة فيه إلى مبدئه القابلى وهو المادة الأولى الجسماني ، واما في الانتهاء ، اى ما كان الجهل جهلا مستفادا بعد ما كان جوهرا ساذجا قابلا للطرفين العلم والجهل المضاد له متساويا نسبته إلى الخير والشر الوجوديين .
فبتكرر الجهالات وترادف السيئات واكتساب التصديقات الكاذبة والخيالات الفاسدة مع التقليدات والتعصبات الحاجبة حتى أن ترسخت الأكاذيب الوهمانية وصارت كالمسامير المؤكدة في القلوب ، مع ما تولدت عنها من ذمائم الصفات وقبائح الاخلاق ورذائل الملكات ، فهذا الجوهر الشيطاني قد يكون من ماء العلوم الكاذبة الممزوجة بالشرور والظلمات المزدوجة من قبائح السيئات ، فعبر عنها بالبحر الأجاج
هامش
( 1 ) لكل من الخير والشر حقائق من عالم المعاني وأمثلة حاكية عنها من عالم الصور والأشباح التي منزلتها من المعاني منزلة الأجساد من الأرواح ، ولكن حقائق الشرية ليست بأمور أصيلة ، بل إن هي الا طفيلية وهمية سرابية في وجه من العبرة والاعتبار ( نوري ) .
( 2 ) سوى الواجب . والجهة الامكانية : اى الامكان الّذي في بعض العقول وهم العقول الأخيرة .