بها يطير إلى جو الملكوت وفضاء العالم القدسي .
فالذي عزلها عما قدرها اللّه له فكأنما كسر للعقل الانساني أجنحته بقوادمها وحوافيها « 1 » التي بها يعرج عن مضائق المحصورات وارض المحسوسات إلى سعة الروحانيات وسماء العقليات .
واما ترك المعاشرة وطريق الاعتزال عن الناس فهو منبت النفاق ومغرس الوسواس ، فإنه مع كونه حرمانا عن المشرب الأتم المحمدي والمقام المحمودي الجمعي والكأس الأوفى والقدح المعلى من وراثة الأنبياء المختص بها العلماء سيما سيدهم وخاتمهم محمد صلّى اللّه عليه وآله الّذي اوتى جوامع الكلم وبعث ليتمم مكارم الأخلاق ، يوجب ترك كثير من الفضائل والخيرات وفوت السنن الشرعية والآداب الجمعية وانسداد أبواب مكارم الأخلاق والحسنات والتعرى عن حلية الكمالات النفسانية والسياسات المدنية والتعطل عن اكتساب العلوم واستيضاح المسائل المبهمات واستكشاف المشكلات وحل الشبهات والتبرك بصحبة العلماء وخدمة المشايخ والكبراء والاستفادة منهم ان كان ذلك الرجل مبتديا أو متوسطا .
وان فرض انه منته مستغن عن التعلم والاكتساب ، فلما ذا لم يشتغل بالتعليم والارشاد ليفوز بسعادة الشيخوخية والتأديب والاصلاح بين الناس ويجمع له الفوز بالسعادتين اللازمة والمتعدية ؟
وبالجملة تمام العقل وكماله للمرء انما يحصل بحسن المعاشرة وآداب الصحبة والجمعية تشبها بالكبراء وتأسيا بالكمل والحكماء وانتهاجا لمنهج الشريعة البيضاء واقتفاء لسنن سيد الأنبياء عليه وآله وعليهم الصلاة والدعاء ، وإلى ما ذكر أشار الصادق عليه السلام حسب ما نقل عن جده عليه السلام بقوله : « وقال علي بن الحسين : مجالس « 2 » الصالحين داعية إلى الصلاح ، وآداب العلماء زيادة في العقل ، وطاعة ولاة العدل تمام العز ، واستثمار المال تمام المروة ، وارشاد
هامش
( 1 ) حفيف : جناح الطائر .
( 2 ) مجالسة ( الكافي ) .