« فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيء » بان يكون واحدة منها ملكة له لا انه يصدر عنه اتفاقا « فهو أحمق » لكونه فاقدا لفضيلة العقل « ان أمير المؤمنين عليه السلام قال : لا يجلس في صدر المجلس الا رجل فيه هذه الخصال الثلاث أو واحدة منهن ، فمن لم يكن فيه شيء منهن فجلس » اى في الصدر « فهو أحمق » وجلوسه في الصدر مع خلوه عن هذه الخصال مطلقا هو دليل حمقه المضاعف .
« وقال الحسن بن علي عليهما السلام : إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها » اى أهل اعطائها ، لان فوت الحاجة أولى وأهون من طلبها عن غير أهلها « قيل : يا ابن رسول اللّه ومن أهلها ؟ قال : الذين قص اللّه » اى عنهم ، « في كتابه وذكرهم فقال :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ *
» ( الرعد - 19 ) ، قال : اى الحسن بن علي عليهما السلام تفسيرا لأولي الألباب « هم أولو العقول » فدل الكلام على فضيلة العاقل من أن السؤال لطلب حاجة علمية أو مالية أو غيرهما لا يجوز الا عن العقلاء لا عن غيرهم لعدم أهليته .
ثم اعلم : ان جماعة من المتصوفة الرسمية لقصور علمهم وذهولهم عن فضيلة الكمال الحقيقي الجمعي الانساني ومظهرية الأسماء الإلهية آثروا العزلة عن الناس والانقطاع عنهم إلى المكان الخالي على المعاشرة معهم والمؤانسة بهم ، زعما منهم ان ذلك ادخل في طلب الكمال والتوجه إلى عالم الملكوت الاعلى والتقرب إليه تعالى ، بل ربما ذهب كثير منهم الذين نصبوا أنفسهم منزل الارشاد والتعليم إلى عزل القوى الادراكية وسد أبواب المشاعر جملة ومنع الصور الادراكية التي هي أمثلة الأعيان الخارجية عن ورودها إلى تلك المشاعر ، وتوهموا ان ذلك هو المعد لهم للتوجه نحو المبدأ الفياض والممد إياهم لانتهاج الطريقة المثلى صوب المقصد الأقصى ، وكلا القولين زيغ عن الصواب وعدول عن منهج أولى الألباب .
اما عزل الحواس وتعطيل القوى الدراكة عما خلقت لأجله فلا يخفى على ذوى البصائر ان ذلك يسد باب العلم ، لان العلم الانساني انما يكتسب أولا من جهة المحسوسات ومشاركاتها ومبايناتها فينشأ منها المعرفات والحدود ثم الحجج والبراهين ، ولهذا قيل : من فقد حسا فقد علما ، ولأن هذه القوى الادراكية كالاجنحة للعقل الانساني