فكذلك الانسانية مما تقبل الأشد والأضعف والأكمل والأنقص ، فبعض الانسان أشد وأكمل في نفس الانسانية من بعض اخر كما بيناه في موضعه وعليه جماعة من قدماء الحكماء .
يريد عليه السلام ان يشير إلى أن تفاوت نفوس الانسان في كمال الانسانية ونقصها بقدر تفاوت استغنائها وتجردها عن الدنيا ، فأعظم الناس قدرا اى في الانسانية من لا تعلق له بالدنيا أصلا ، وذلك لصيرورته عقلا بالفعل مستفادا عن الحق ولأنه امتلاء قلبه بنور الحق بحيث لا يسع لغيره ، وقوله : اما أبدانكم . . . إلى آخره .
اعلم أن النفوس لما كانت ناقصة في أصل الفطرة فيحتاج في استكمالاتها إلى الأبدان الطبيعية ، ثم إن للأبدان تحولات طبيعية بحسب اغراض النفس التي هي متصرفة فيها في فصول العمر وأوقاته ، فالنفس من وقت الطفولية إلى وقت البلوغ والرشد الصوري ممنوة بايراد الغذاء عليه وتحصيل البدل فوق ما يحتاج إليه بد لا للمتحلل ، فتورد منها ما يزداد في الأقطار لضعف الأعضاء وشدة الاحتياج إلى النمو والتصلب .
فالنفس حينئذ منغمسة في البدن ذاهلة عن كمالها ، فلما قربت الآلات من حد كمالها وانتقص الاحتياج إلى النمو وتفرغت الطبيعة باذن اللّه إلى ذخيرة مادة النوع من الشخص لاستغنائها بكمال الشخص عن صرف الزائد إليه فعند ذلك انفتحت بصيرة عقلها فظهرت أنوار فطرتها العقلية وتنبهت عن نومها في بدنها وتفطنت بقدس جوهرها فطلبت مركزها وغايتها وهي الدار الحيوانية ، لكنها ما دامت سن النمو باقية ما توجهت إلى عالمها وإلى المرحلة الثانية ، ولما اخذت في سن الوقوف أقبلت إلى عالمها واشتدت في طلب الكمال والرجوع إلى ذاتها والخروج إلى عالمها اما مستقيمة أو معوجة حسب ما دعاه عقلها أو وهمها ، فكلما اشتد هذا التوجه الطبيعي ضعف البدن وذبل ونكس حاله عكس حال النفس .
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ
( يس - 68 ) .
فلا تزال النفس تقوى والبدن يضعف حتى يموت البدن وتقوم النفس بذاتها وهي معنى القيامة ، وذلك معنى كون الموت طبيعيا لا ما زعمته الأطباء والطبيعيون
و