عذابا في الآخرة على اختلاف مراتبها في هذا الانتاج باختلاف مراتبها في اظلام القلب بحسب تفاوتها في شدة اللذة وضعفها وتفاوت استغراق النفس فيها ، فهذه هي المحرمات الشرعية كبائرها وصغائرها ، وكلها دون الكفر الّذي هو الحجاب الأعظم ،
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ *
( النساء - 48 ) .
إذا علمت هذا فاعلم : ان العاقل هو الّذي ترك فضول الدنيا وان كانت مباحة لأنها تمنع غاية التنزه وكمال التقرب ، فكيف الذنوب التي هي ارتكاب المحرمات المورثة لاستحقاق العقوبة الا ان يتفضل اللّه بالمغفرة والتجاوز عنها بالاحسان ، فظهر لك ان ترك الدنيا رأسا من باب طلب الفضل والكمال وان ترك المعاصي والمحرمات من باب الفرض الّذي يطلب به النجاة عن العذاب والعتق من النار .
فالأول يختص بالاحرار ليصيروا من الأخيار ، والثاني مشترك بين الناس ليصيروا عتقاء أحرار من النار غير مقيدين بالسلاسل والاغلال ولا محبوسين في مهوى السجين ومنزل المحنة والوبال .
قوله عليه السلام : « يا هشام ان العاقل نظر إلى الدنيا وإلى أهلها فعلم أنها لا تنال الا بالمشقة ، ونظر إلى الآخرة فعلم أنها لا تنال الا بالمشقة ، فطلب بالمشقة أبقاهما » .
معناه واضح ، فان الدنيا أيضا لا تنال الا بمشقة كالآخرة ، الا ترى ان لذة السلطنة أعظم لذات الدنيا ، ثم إن مشقة الملوك والسلاطين أعظم من مشقة غيرهم من الرعية لمقاساتهم الشدائد والأهوال وارتكابهم الحروب والتعرض للجروح والقتال ونهب الأموال وأسر الأولاد والأحفاد .
فان قال قائل من الذين غرتهم الحياة الدنيا كالكفار : ان الدنيا نقد والنقد خير من النسية فيكون خيرا من الآخرة لأنها نسية ، وأيضا لذات الدنيا يقين ولذات الآخرة شك فلا يترك اليقين بالشك .
قلنا : هذه أقيسة فاسدة تشبه قياس إبليس اللعين فيما اخبر اللّه عنه ، وهي مدفوعة اما بالايمان السمعي أو بالبرهان القطعي اما الأول : فهو التصديق بقوله تعالى :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى *
، ( القصص - 60 ) ،
وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( الاعلى - 17 ) ،
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا