تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
معرفتهم انه كشف على ضمائرهم حقائق الأشياء كما هي عليها فشاهدوها بالبصيرة الباطنة كما تشاهد أنت المحسوسات بالبصر الظاهر ، فيخبرون عن مشاهدة لا عن سماع ورواية كما هو شأن المقلد ، واللّه ولى الفضل والهداية وهو مفيض العلم والحكمة والنبوة . قوله عليه السلام : « يا هشام ان العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة ، لأنهم علموا ان الدنيا طالبة مطلوبة والآخرة طالبة ومطلوبة ، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفى منها رزقه ، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته » . توضيح هذا المرام وتبيين هذا الكلام بتحقيق امرين : أحدهما ان رزق الدنيا ونصيب الانسان منها لا يتعلق بسعيه وكسبه بل هو مقدر مضمون يصل إليه سواء اختاره أولا ، وسواء تعب وكد في تحصيله أو لا ، ولهذا قال تعالى :
وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ
( الذاريات - 22 ) . وقالت الحكماء : ان الدنيا دار اتفاق وبخت بخلاف رزق الآخرة ونعيم الانسان أو عذابه فيها ، فإنه يتعلق لا محالة بسعيه وكسبه ليس للانسان الا ما سعى ، وذلك لان كل ما يصل إليه في الآخرة فهو صور أخلاقه واعماله وتبعات صفاته وافعاله ليس بخارج عنه وارد عليه كما يستفاد من معرفة أحوال الآخرة واحكامها حسب ما يعرفه العارفون والمكاشفون . وثانيهما : ان كلا من الدنيا والآخرة طالبة لمن كان مطلوبه الأخرى بوجه دون وجه ، فكل منهما طالبة حين كون الأخرى مطلوبة بوجه من الطلب فمن طلب الآخرة وسعى في تحصيلها فله الآخرة لا محالة لقوله تعالى :
وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً
( الاسراء - 19 ) ، ومع ذلك طلبته الدنيا ليستوفى رزقها ، لما مر ان الرزق المقدر يصل إلى الانسان سواء طلبه أو لا ، ومن طلب الدنيا وسعى لها سعيها الّذي لا فائدة فيه طلبته الآخرة لتستوى « 1 » اجلها . إذا لأجل أيضا كالرزق مكتوب فيأتيه الموت وعند ذلك يفسد دنياه لانقطاعها ويفسد آخرته ، لان اكتسابها لا يمكن بعد
هامش
( 1 ) كذا في الأصل ، والظاهر : ليستوفى .