مبنيا على جواز شك في الآخرة ولكن كلم به الملحد على حد عقله ، وبين له انه وان لم يكن امر الآخرة متيقنا فهو مغرور .
واما أصله الثاني وهو ان الآخرة شك فهو أيضا خطاء ، بل ذلك يقين عند أهل الايمان وليقينه مدركان :
أحدهما تقليد الأنبياء والأولياء والعلماء وهو مدرك العوام وأكثر الخلق اطمأنوا به كما يطمئن نفس المريض إلى تصديق قول الأطباء والحذاق في ان النبت الفلاني دواء له ولا يطالبهم بتصحيح ذلك بالبراهين الطبية ، ولو كذبهم سوادي « 1 » في ذلك فيعلم كذبه لكونه مخالفا لما عليه الفضلاء الحذاق الكثيرون ، فلو ترك أحد بقوله قول الأطباء لكان معتوها « 2 » .
كذلك من نظر إلى المقرين بالآخرة والمخبرين عنها والقائلين بان التقوى هي الدواء المقتضى للوصول إلى سعادتها ، وبه قال خير خلق اللّه وجميع الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وتبعهم عليه الخلائق على أصنافهم وشذ منهم احاد البطالين الذين غلبت عليهم الشهوة فجحدوا الآخرة وكذبوا الرسل ، فقول هذا الغبي الّذي استرقته الشهوات لا يوقع الشك في صحة قول الأنبياء عليهم السلام ، كما أن قول الصبى أو السوادوى لا يزيل طمأنينة قلب المريض إلى ما قالته الأطباء ، وهذا القدر من الاعتقاد الجازم كاف لجملة الخلق لان يستحث على العمل .
واما المدرك الثاني لمعرفة الآخرة فهو الوحي للأنبياء والالهام للأولياء والبرهان للحكماء ، ويجب ان لا يظنن ان معرفة النبي صلّى اللّه عليه وآله لامر الآخرة ولأمور الدين تقليد لجبرئيل عليه السلام بالسماع منه كما أن معرفتك تقليد النبي صلّى اللّه عليه وآله ، حتى تكون معرفتك كمعرفته وانما يختلف المقلد ، هيهات هيهات : فان التقليد ليس بمعرفة بل هو اعتقاد جازم صحيح ، والأنبياء عليهم السلام عارفون ومعنى
هامش
( 1 ) اى أهل القرى والبادية .
( 2 ) العاهة : عرض يفسد ما اصابه كالفساد الّذي يقع في الزرع من حر أو عطش وفي الإبل من جرب وغيره ، اى الآفة .