المشهد التاسع عشر في لمية زهد العلماء في الدنيا والباعث لهم عليه
قوله عليه السلام : « يا هشام ان العاقل رضى بالدون من الدنيا مع الحكمة ولم يرض بالدون من الحكمة مع الدنيا ، فلذلك ربحت تجارتهم » .
منشأ ذلك ومبناه ان العاقل هو الّذي يعلم فضيلة الحكمة وشرفها وبقائها ويعرف خساسة الدنيا ودناءتها ودثورها وفنائها وسرعة انتقال النفس عنها .
ويعلم أيضا ان الحكمة والدنيا لا يجتمعان في قلب وان الدنيا والآخرة ضرتان « 1 » متضادتان وهما ككفتى ميزان رجحان كل منهما فقدان الاخر ، فتاجر مع اللّه في ترك الدنيا لأجل الحكمة ، فرضى بالدون من الدنيا الّذي يكفى للبلاغ مع الحكمة التي بها القرب من اللّه ، ولم يرض بعكسه بان يكون له نعيم الدنيا وافيا ولذتها كاملة ولكن مع قصور في العلم والمعرفة ، فلا جرم كانت تجارته رابحة حيث بدل امرا خسيسا فانيا بأمر باق شريف .
وعن أمير المؤمنين عليه السلام : لو كانت الدنيا من ذهب والآخرة من خزف لاختار العاقل الخزف الباقي على الذهب الفاني ، كيف والامر على العكس من ذلك ؟ قوله عليه السلام : « يا هشام ان العقلاء تركوا فضول الدنيا فكيف الذنوب ؟ وترك الدنيا من الفضل وترك الذنوب من الفرض » .
اعلم أن أمور الدنيا وشهواتها منقسمة التي ثلاثة أقسام : قسم منها ضرورات لا يمكن التعيش والبقاء بدونها وهي كأنها ليست من الدنيا ، لان العبد مكلف باتيانها وانها من الواجبات .
وقسم منها وهي الذات مباحة لا تمنع عن النجاة من النار وعذاب الآخرة لا عن أصل النعيم الأخروي ، ولكن يمنع عن مزيد الكرامة وفضل النعمة وكمال القرب منه تعالى وهي المباحات الشرعية من اللذات .
وقسم منها هي التي تؤثر في النفس لذتها بحيث تورث ظلمة في القلب وتنتج
هامش
( 1 ) الضرتان : امرأتا الرجل ، كل واحدة منهما ضرة لصاحبتها .