إذ المراد بهذا العلم هو العلم بالأصول الايمانية من الحق الا له وكيفية إلهيته وربوبيته وافعاله القدسية وملائكته العقلية والروحية وأنبيائه وأوليائه وكيفية الوحي والانزال والالهام والاعلام ، وإذا كان العلم بكل شيء هو حضور ذاته أو صورته العقلية المجردة عن الغواشي الحسية والخيالية ، فواهب العلم ومصور النفس بتلك الصور المفارقة لم يمكن ان يكون الا اللّه دون البشر من حيث بشريته « 1 » .
فكل عالم علما حقيقيا فهو انما يأخذ علمه من اللّه لا محالة اما بغير الاستعانة ببشر في الابتداء كما للأنبياء وضرب من الأولياء عليهم السلام أو بسبب اعانتهم وارائتهم الطريق وارشادهم كيفية السلوك والعمل كما لسائر البشر ، واما الإفاضة والاشراق العقلي فهو من اللّه خاصة ولهذا قيل : ان السلوك الفكري والاكتساب العملي إذا لم ينته إلى الجذبة الإلهية فليس له كثير فائدة ، وان كل عالم رباني وحكيم إلهي فهو مجذوب معتنى به وان جذبة من جذبات الحق توازى عمل الثقلين .
وبالجملة فكل عالم رباني لا يكون ربانيا الا بكونه عقلا خالصا نورانيا .
فاحتفظ بهذا المعنى الدقيق الحرى بالامعان والتحقيق ، فإنه مقتبس من مشكاة هذا الحديث الوارد من معدن الولاية وبيت النبوة على اهاليه السلام والتحية .
المشهد الثامن عشر في ان العلم هو الأصل والعمل انما يراد لأجله ، فالعلم هو المبدا والغاية
قوله عليه السلام : « يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود » .
توضيح هذا الكلام : ان جميع مقامات الدين ومنازل الصالحين كالتوبة والشكر والصبر والخوف والرجاء والمحبة والتوكل والرضاء وغيرها انما تنتظم من أمور ثلاثة : معارف وأحوال واعمال .
فالتوبة مثلا لا بد له من علم وحال وعمل ، اما العلم وهو المطلع والمبدأ ، فهو
هامش
( 1 ) لان المادي لا يكون موجدا ومفيضا للمجرد .