فان من اشتهى الكلام في مجمع الناس والعوام كالوعاظ والمذكرين فضلا عن أهل البطالة وهم « 1 » أكثر الناس فإنه ابدا يجد في تكلمه ووعظه وتأثر قلوب أهل المجلس به حلاوة ولذة لا يوازيها لذة ، فإذا غلب ذلك على قلبه مال طبعه إلى كل كلام مزخرف يروج عند العوام وان كان باطلا في نفسه ونفر عن كل كلام يستثقله العوام وان كان حكمة ، فيصير مصروف الهمة بالكلية إلى ما يحرك قلوب الناس والمستمعين ليعظم منزلته عندهم وفي قلوبهم .
فلا محالة ينمحى طرائف الحكمة عن قلبه ، لان الّذي يؤثر في قلوب الناس ليس الا ما فهموه ولا فهموا الا ما يناسبوه وهو ليس من هذا الجنس أصلا إذ لا يناسبوه .
وكذا الاشتغال باللذات وحب الشهوات من النساء والبنين وغيرهما يعمى القلب ويذهب بنور عبرته ، لان حبك للشئ يعميك ويصمك عن ادراك غيره فحب الشهوات يطفئ نور الاستبصار والاعتبار ، فمن سلط هذه الخصال الثلاث التي بناء - الهوى ورسوخها عليها على تلك الثلاث التي بناء العقل وقوامه عليها فكأنما أعان الهوى والطاغوت على هدم بناء عقله ، ومن هدم بناء عقله فقد افسد على نفسه دينه ودنياه ، لان بناؤهما على العقل فمن لا عقل له لا دين له ولا دنيا .
اما انه لا دين له فظاهر واما انه لا دنيا له فلان حقيقة الدنيا هي ان يكون معبرا وقنطرة يعبر بها إلى الاخر كما دل عليه مفهوما الدنيا والآخرة لأنهما من باب المضاف ، فالدنيا نشأتك القريبة الأولى التي أنت فيها والآخرة نشأتك الثانية التي تنتقل إليها .
فالمؤمن هو الّذي يعبر عن الدنيا بقلبه ويرغب في الآخرة بروحه فيكون في راحة عظيمة ونعمة جسيمة ، والمنافق ابدا متعلق القلب بالدنيا لا ينتقل إلى الآخرة الا بقهر ملك الموت وقمع بدنه ونفسه بقوامع من النار ، فلم يزل متعلق القلب بها غير عابر عنها بروحه واختياره بل بالكره والاجبار والاضطرار فيكون في غصة وعذاب أليم وفرقة وفزع جسيم .
هامش
( 1 ) اى أهل البطالة .