مناجاة الخلق والاشتغال باستكشاف اسرار اللّه في خلق الدنيا والآخرة وملكوت السماوات .
فان ذلك يستدعى فراغا ولا فراغ مع المخالطة فالعزلة وسيلة إليه ، ولذلك كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في ابتداء امره يتبتل في جبل حراء وينعزل إليه حتى قوى فيه نور النبوة وكان الخلق لا يحجبه عن اللّه ، فكان ببدنه مع الخلق وبقلبه مقبلا على اللّه تعالى .
قال أبو علي بن سينا في مقامات العارفين : العارف لا يحتمل الهمس « 1 » من الحفيف « 2 » فضلا عن سائر الشواغل الخالجة ، وذلك في أوقات « 3 » انزعاجه بسره إلى الحق ، واما عند الوصول فاما شغل له بالحق عن كل شيء واما سعة للجانبين لسعة « 4 » القوة ، وكذلك عند الانصراف في لباس الكرامة فهو أهشّ خلق اللّه بهجة « 5 » .
قال بعض الحكماء : انما يستوحش الانسان في نفسه عند الوحدة لخلو ذاته عن الفضيلة فيتكثر حينئذ بملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه ، واما إذا كانت ذاته فاضلة فيطلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويستخرج العلم والحكمة ويناجى ربه صاعدا بفكره إليه فيصير الحق جليسه كما حكى عنه تعالى من قوله : انا جليس من ذكرني ، وليس المراد ذكر اللسان مع غفلة القلب وهو ظاهر ، فالعارف بالحق استيناسه به ألفة بالوحدة معه والعزلة عن غيره لفضيلة نفسه وكمال عقله ، ولذلك قيل : الاستيناس بالناس من علامة الافلاس .
ومنها التخلص عن المعاصي بالعزلة ، إذ لا يخلص عنها غالبا بالمخالطة ، وهي كالغيبة والرياء والسكوت عن الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ومسارقة الطبع عن الاخلاق الردية والاعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدنيا .
هامش
( 1 ) العارف له أحوال لا يحتمل فيها الهمس ( الإشارات - النمط التاسع ) .
( 2 ) حفيف الفرس : دويه في جريه .
( 3 ) وهي أوقات ( الإشارات ) .
( 4 ) بسعة ( الإشارات ) .
( 5 ) بهجته ( الإشارات ) .