من لدن العرش الاعلى إلى قرار الأرض السفلى ، وهذه كلها بسائط صادرة بحسب الفاعلية وجهاتها بلا مدخلية المادة وجهاتها الانفعالية .
ثم انبعثت الأشواق العقلية والنفسية والحركات الكلية والجزئية وتوجه النقائص إلى الكمالات ، فادارت النفوس الأفلاك باذن اللّه طاعة له على قوة أشواقها ونسب كمالاتها وغاياتها وركبت البسائط على نسب معنوية تطابق تلك النسب .
فحصلت المركبات مبتدئا من المعادن والنبات ثم أنواع من الحيوانات متفاوتة تفاوتا عظيما في درجات القوة والكمال إلى أن ينتهى إلى اوّل درجات الانسان .
وهلم إلى الانتهاء إلى غاية هذه السلسلة الرجوعية وهي عقول الأنبياء والرسل والأئمة الذين هم حجج اللّه الظاهرة في عالم التركيب ، لكونهم مع هذه الأبدان المحسوسة رحمة من اللّه على خلقه ، لان استكمال النفوس الناقصة وترقيها من حد النقص وحضيض الوبال إلى ذروة الفضل والكمال ومن هبوط الجهل والدناءة إلى شرف العزة والسعادة لا يمكن الا ببعثة الأنبياء والرسل وانزال الكتب والصحف من عالم السماء ونصب الأئمة والأوصياء الذين هم قواد الناس وهداتهم على المحجة البيضاء إلى طريق الآخرة وحسن العاقبة وسعادة الخاتمة .
فقد اتضح بما ذكرنا ان الأنبياء ومن يجرى مجراهم هم البراهين الظاهرة من اللّه في خلقه وانهم في عالم التركيب البشرى بمنزلة الحجة العقلية في عالم البسيط العقلي لانارة ذاتهم وإضاءة باطنهم بحيث يسرى نور باطنهم إلى ظاهرهم ويشرق قالبهم باشراق قلبهم كما قيل :
رق الزجاج ورقت الخمر * فتشابها وتشاكل الامر
المشهد الخامس عشر في بعض أحوال العقلاء العارفين
قوله عليه السلام : « يا هشام ان العاقل الّذي لا يشغل الحلال شكره ولا يغلب الحرام صبره » .