قوله عليه السلام : « يا هشام كيف يزكو عند اللّه عملك وأنت قد شغلت قلبك عن امر ربك وأطعت هواك على غلبة عقلك » .
أصل الزكاة في اللغة الطهارة والنماء والبركة والمدح ، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث ، ووزنها فعلة كالصدقة ، فلما تحرك الواو وانفتح ما قبلها انقلبت ألفا ، وهي من الأسماء المشتركة بين المخرج والفعل اى المبدأ والحدث ، فتطلق على العين وهو المزكى من المال ونحوه وعلى المعنى وهو التزكية ، ومن الجهل بهذا طعن الظالم لنفسه على قوله تعالى :
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ
( المؤمنون - 4 ) ، ذاهبا إلى العين وانما المراد المعنى الّذي هو التزكية .
والعمل أيضا من الأسماء المشتركة بين الامرين فإذا أضيفت إليه الزكاة كان المعنى بإزاء المعنى والعين بإزاء العين ، فزكاة العمل تطهيره وتجريده عن الاغراض الدنيوية وجعله خالصا للّه ابتغاء لوجهه .
إذا علمت ذلك فاعلم : ان الغرض من هذا الخطاب ان قوام الأعمال الصالحة أيضا بالعقل الكامل ، والعالم باللّه المتفكر في آيات خلقه من غلب عقله هواه واستخدمه مقهورا مطيعا ، فمن أطاع هواه وصيره غالبا على عقله بتسليطه على عقله بالأمور الثلاثة المذكورة في الخطاب المتقدم أو ببعضها صار قلبه مشغولا عن امر اللّه بغيره بسبب استغراقه في الدنيا لقوة الهوى وضعف اليقين .
فإذا صار مشغول القلب عن اللّه وامره فكيف يخلص عمله عند اللّه ويطهر عن شوائب المفسدات كالرياء ونحوها أو ينمو جزاؤه ؟
المشهد السادس عشر في ان التفرد عن الناس والعزلة والصبر عليها من علامات قوة العقل وكماله
قوله عليه السلام : « يا هشام الصبر على الوحدة علامة قوة العقل ، فمن عقل عن اللّه اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها ورغب فيما عند اللّه ، وكان انسه « 1 » في الوحشة وصاحبه
هامش
( 1 ) كان اللّه انسه ( الكافي ) .