تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
معناه انه لا يحجبه كثرة نعم اللّه عليه ووفور فضائله لديه عن النظر إلى نفسه بعين المذلة والافتقار وإلى منعمه بعين العظمة والجود والاحسان ، فيخضع له ويتضرع إليه وقت النعمة كما يخضع ويتضرع وقت البؤس والنقمة فيشكره ويحمده على كل حال ، وأيضا لا يزيل صبره في الشدائد كالجوع ونحوه وجدان ما يحرم عليه فعله كأكل مال اليتيم ونحوه عند شدة الجوع ، أو لا يغلب ما يرى من الناس صبره فيصبره على اذاهم إياه ويدارى معهم بالوعظ والنصيحة والتعليم . قوله عليه السلام : « يا هشام من سلط ثلاثا على ثلاث فكأنما أعان على هدم عقله ، من اظلم نور تفكره بطول امله ومحى طرائف حكمته بفضول كلامه واطفأ نور عبرته بشهوات نفسه ، فكأنما أعان هواه على هدم عقله ، ومن هدم عقله افسد عليه دينه ودنياه » . قد علمت أن بناء الايمان والقرب من اللّه تعالى على العقل المجرد عن الشهوات ، كما أن بناء الكفر والبعد عنه تعالى على الهوى المعبر عنه بالطاغوت . فاعلم أن لكل من العقل والهوى خصال تناسبه مضادة لخصال الاخر ، فمن خصال العقل التي بناؤه « 1 » عليها ثلاث هي التفكر والحكمة والاعتبار ومن خصال الهوى التي بناؤه « 2 » عليها ثلاث هي طول الامل وفضول الكلام وقضاء الشهوات ، فطول الامل في الدنيا يمنع عن التفكر في الأمور الإلهية وأحوال المبدأ والمعاد ، بل يحمل النفس على التفكر في الأمور العاجلة وتحصيل أسبابها الظلمانية فهو لا يمنع عن أصل التفكر بل عن الّذي في الباقيات الصالحات ، وهذا هو المراد من قوله عليه السلام : اظلم نور تفكره بطول امله ، اى يتبدل به تفكره في الأنوار الأخروية بتفكره في الظلمات الدنيوية . ولما كان العلم والمعلوم متحدين بالذات والفكر حركة في العلم فيكون نورا ان كان المعلوم نورا وظلمة ان كان ظلمة ، فصح واتضح ان طول الامل اظلم نور التفكر وكذلك فضول الكلام يمحو طرائف الحكمة .
هامش
( 1 ) اى الايمان . ( 2 ) اى الكفر .