اللاحقين حيث ما اتاهم رسول معلم ولا نبي مرشد الا ونسبوه إلى السحر والجنون .
امر « 1 » نبيه عليه وآله السلام بالتولى والاعراض عن الذين درجتهم قاصرة عن درك الآيات والاهتداء بهداها وهم أكثر الناس كما في قوله :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
( النجم - 29 و 30 ) ، وبين للنبي صلّى اللّه عليه وآله ان ذلك التولي ليس بقادح في جلالة قدرك وان عدم ايمان أكثر الخلق ليس لتقصيرك حتى تحزن ، فلا تحزن فإنك لست بملوم في الاعراض عنهم .
ثم قال :
وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
، يعنى ليس المراد التولي مطلقا ، بل شأنك الإفاضة والتعليم ولكن نفعه ليس يصل الا لطائفة مخصوصة من الناس و
هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا *
، كما أن الصياد يبسط الشبكة لاصطياد نوع خاص من الطيور برزق مخصوص وهو المقصود من بسط الشبكة في الأرض دون غيره ،
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ *
( البقرة - 6 ) .
والا فما من رزق الا وفي القرآن قسم منه لقوله تعالى :
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
( الانعام - 59 ) ، ففيه غذاء الأرواح وقوت القلوب ، وفيه أيضا ما ينتفع به العوام الذين بمنزلة الانعام في الدنيا من احكام الديات والقصاص والمناكحات والمعاملات والمواريث وغيرها مما ينتظم به صلاح امر الدنيا للكل ، وامر الدنيا والدين للخواص والكمل ، ففيه الأغذية المعنوية والصورية والمنافع الأخروية والدنيوية ،
مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ *
( النازعات - 33 ) ، فاذن الذكرى وهي نور القلب وحياة الروح انما تنفع المؤمنين حقا دون غيرهم ، لأنهم الذين يحى أرواحهم بروح الذكر ويتنور قلوبهم بنور الهدى وتعرج به اشخاصهم إلى عالم القدس ويصعد به كلمتهم إلى سماء القربة والشهود ومجاورة الحق المعبود .
إذا تقرر ما ذكرناه فاعلم : ان مراده عليه السلام من ذكر هذه الآية التنبيه على دلالة هذه الآية على مدح أولى الألباب وحسن أحوالهم ، وبيان ذلك : انه لما دلت
هامش
( 1 ) جواب لما .