وثانيهما : ان المراد به ان العلماء والمتذكرين هم أولو العقول الخالصة لا غيرهم ، وان المباينة والتفاوت العظيم بين العقلاء وغيرهم مما لا يخفى على أحد ، وعلى كلا الوجهين يلزم ان لا يدرك هذا التفاوت الا أولو الألباب .
قيل لبعض العلماء : انكم تقولون العلم أفضل من المال ثم نرى العلماء يجتمعون عند أبواب الملوك ولا نرى الملوك مجتمعين عند أبواب العلماء ؟ فأجاب العالم بان :
هذا أيضا يدل على فضيلة العلم ، لان العلماء علموا في المال من المنافع والجهال لم يعرفوا ما في العلم من المنافع فلا جرم لم يطلبوه .
قوله عليه السلام « وقال :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
» ( ص - 29 ) .
معناه ان القرآن لكونه مشتملا على اسرار عظيمة ربانية ومعارف لطيفة إلهية انما وقع انزاله من اللّه على رسوله ليتدبر المتفكرون آياته وليحصل التذكر اى المعرفة الحقيقية لأولي الألباب ففائدة انزال الكتاب هي ان يتدبر الناس في آياته وغاية التدبر في الآيات حصول التذكر لهؤلاء .
وانما اطلق في الأول وخصص في الثاني لان التدبر وهو النظر والتأمل لا يستلزم التذكر ، فرب متفكر لا ينتهى بفكره إلى ما هو المطلوب الأصلي فالتدبر غير مختص بأولى الألباب بل يعمهم وغيرهم ، بخلاف التذكر فإنه مختص بهم .
ثم لا شبهة في ان الغرض الأصلي من التدبر والنظر في الآيات انما هو حصول العلم واليقين وذلك مختص بأولى الألباب .
فثبت ان غاية انزال القرآن ليست الا هؤلاء وفي هذا غاية المدح والتعظيم .
قوله عليه السلام « وقال :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ
( غافر - 53 ) .
واعلم أن المستفاد في كثير من الآيات التي ذكر فيها مع الكتاب الهدى أو الذكر أو الحكمة كما في قوله :
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ *
( البقرة - 129 ) ، وقوله :
وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ
( النساء - 113 ) ، أو النور كما في قوله :
قَدْ جاءَكُمْ