تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
العائد إلى العبد نفسه الدالة على غاية الاختصاص . وقوله :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
، كأنه بيان لقوله :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ
. . . إلى آخره ودال على أن منشأ هذه الخصال المحمودة هو العلم اليقيني لا غير ، إذ لا شبهة ان في الكلام حذفا والتقدير : أم من هو قانت كغيره ؟ وانما حسن هذا الحذف لدلالة الكلام عليه فهو تنبيه عظيم على فضيلة العلم . قال الزمخشري : أراد بالذين يعلمون الذين سبق ذكرهم وهم العاملون ، فالذين لا يعلمون ، الذين لا يأتون بهذا العمل كأنه جعل القانتون هم العلماء وهو تنبيه على أن من لا يعمل فهو ليس بعالم . أقول : المقصود الأصلي من هذه الآية ليس الحث على مجرد العمل والمبالغة فيه ، بل شرف العلم وفضيلته وفضل العالم على الجاهل بحيث يرتفع به المماثلة النوعية بينهما ، ولهذا ذكر من الاعمال ما لا ينبعث الا عن حاق مرتبة العلم وصفة الاخلاص القلبي من المواظبة الدائمة والخوف والرجاء والرهبة والرغبة ليظهر ان من هذه صفته وفعله اللازم فهو ليس كمن هو على ضدها . ثم أشير إلى أن منشأ هذين المتقابلين من الصفات والآثار المحسوسة في هذا العالم صفتان متقابلتان في عالم الباطن لما مر من أن اختلاف الآثار يدل على اختلاف منشأها ومبدأها فكأنه أريد به اثبات معقول بمحسوس على ما هو طريق التمثيل ثم قال :
إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
، وله معنيان : أحدهما هو المشهور ، يعنى ان هذا التفاوت العظيم الحاصل بين العلماء والجهال لا يعرفه أيضا الا أولو الألباب . أقول : وذلك لان اختلاف الآثار والافعال وان دل على اختلاف المبادى والأحوال لكن دلالة الأثر على المؤثر بخصوصه دلالة ظنية غير قطعية لا يحصل بها الاكتناه بحقيقة المؤثر ، فالمعرفة التامة بحقيقة العلم والتفاوت العظيم الّذي بينه وبين مقابله لا يحصل الا لمن هو عالم بالفعل وكان جاهلا وقتا ما ، فعلمه بهما وبالتفاوت بينهما علم وجداني حضوري .