وجوه أخرى .
منها : انه استر عن العيون فيكون ابعد عن الرياء .
ومنها : ان الظلمة يمنع الابصار ونوم الخلق يمنع من السماع ، وإذا صار القلب فارغا عن الاشتغال بالأحوال الخارجية عاد إلى المطلوب الأصلي وهو المعرفة والذكر والخدمة له تعالى .
ومنها : ان اناء الليل وقت النوم فتركه أشق فيكون الثواب فيه أكثر .
ومنها : قوله تعالى :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
، ( المزمل - 6 ) وقوله :
ساجِداً
، حال وكذا قائما وقرئ ساجد وقائم على أنه خبر بعد خبر والواو للجمع بين الصفتين .
واعلم أن في هذه الآية دلالة على اسرار عجيبة ونكات لطيفة ، فاولها : انه بدأ فيها بذكر العمل وختم فيها بذكر العلم تنبيها على أن العمل هو الذريعة والوسيلة والعلم هو الكمال والنهاية ، اما العمل فكونه قانتا ساجدا قائما واما العلم فهو قوله :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
.
وثانيها : انه تدل الآية على أن العمل الّذي يتوقف عليه الكمال الانساني هو ما كان الانسان مواظبا عليه ، فان القنوت عبارة عن كون الرجل قائما بما يجب عليه من الطاعة ، فما لا مواظبة فيه من الاعمال فليس فيه كثير فائدة .
وثالثها : ان قوله :
ساجِداً وَقائِماً
، إشارة إلى أصناف الاعمال وقوله :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
، إشارة إلى أن الانسان عند المواظبة على الاعمال ينكشف له في اوّل الامر مقام القهر المقتضى للخوف وهو قوله :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ
، ثم بعده مقام الرحمة الباعث للرجاء وهو قوله :
وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
، ثم يحصل له أنواع المكاشفات وهي المراد بقوله :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
.
ورابعها : أنه قال في مقام الخوف :
يَحْذَرُ الْآخِرَةَ
، فأضاف الحذر إلى الآخرة وقال في مقام الرجاء :
وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ
، فأضاف الرجاء إلى نفسه تنبيها على أن جانب الرجاء أكمل وأليق بحضرة الربوبية ، ويؤكد هذا المعنى إضافة الرب إلى الضمير