( طه - 124 ) . إذا تقرر هذا فنقول : قد نبه اللّه سبحانه في مواضع كثيرة من القرآن على أن الانسان وان كان في هذه النشأة البشرية نوعا واحدا متماثل الافراد كما قال :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ *
، ( الكهف - 110 ) لكنه بحسب النشأة الثانية الباطنية متخالف الأنواع ، وان نوع العالم الرباني والمؤمن الحقيقي مخالف لنوع الجاهل وغير المؤمن فقال :
هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ
، ( الزمر - 9 ) وقال :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى
« 1 » ؟ ( الرعد - 19 ) .
فالمراد من هذه الآية التعجب والانكار لمن زعم أن العالم بكيفية الانزال والوحي أو بمعانى القرآن كالجاهل بها بحسب الحقيقة الانسانية في النشأة الباقية ، فعبر عن الجاهل بالأعمى صريحا وعن العالم بالبصير ضمنا ليتضح المقصود بهذا التمثيل في المحسوس فضل اتضاح ، لان أكثر الناس لا يعرفون المعاني العقلية الا بأمثلة جزئية مطابقة لها لان وجودهم في هذه المرتبة ، ثم نبه على أن العالم البصير والعارف بهذا الذكر ليس الا أولو الألباب وهذا غاية المدح والتعظيم .
قوله عليه السلام « وقال :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ؟ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
. ( الزمر - 9 ) .
قوله « أمن » قرأه بعض القراء بتخفيف الميم والبعض الاخر بتشديدها ، وجه الأول ان الف الاستفهام دخل على من الموصول والجواب محذوف تقديره : كمن ليس كذلك ، ووجه التشديد أنه قال الفراء : ان أصله أم من فأدغمت الميم في الميم ، فعلى هذا هي أم التي في قولك أزيد أفضل أم عمرو ؟ والقانت القائم بما يجب عليه من الطاعة .
وروى أن أفضل الصلوات طول القنوت وهو القيام فيها . وعن ابن عباس : القنوت الطاعة لقوله تعالى
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ *
، ( البقرة - 116 ) اى مطيعون ، واناء الليل أوله ووسطه وآخره ، وفيه تنبيه على فضل قيام الليل وانه أرجح من قيام النهار كما يدل عليه
هامش
( 1 ) وفي الأصل : أفمن يؤمن كمن لا يؤمن ؟