المتأمل فيها يحتاج إلى مزيد تجريد للعقل وتطهير للنفس وتهذيب للخاطر عن الوساوس العادية ، وتصفيته للفكر عن الأغلاط الوهمية ، وانقطاع عن الشوائب الحسية ، ولا بد له أيضا من فهم لطيف وطبع مشتعل ذكى وفكر دقيق وقلب نوراني كالقنديل الّذي فيه السراج .
وانما الآيات آيات بالقياس إلى مثلهم « 1 » لا بالقياس إلى أهل القساوة وهم أكثر الخلق ، ولا بالقياس إلى المعرضين عن الحكمة والنظر في آيات اللّه وهم أهل الجحود ، وإليهم الإشارة بقوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ
، ( يوسف - 105 ) فالفائز بمعرفة الآيات والحكم التي فيها مترق إلى درجة الملائكة المقربين والأبرار العليين ، والمعرض عنها نازل إلى منزلة الفجار الأشرار مع الشياطين في سجين .
قوله عليه السلام « وقال :
أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ
( الرعد - 19 ) .
هذا من قبيل قوله تعالى :
هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ *
، ( الرعد - 16 ) فان العالم بصير والجاهل أعمى ، وذلك لان الانسان مركب من جوهرين : بدن ونفس ، والبدن من عالم الملك والشهادة والنفس من عالم الملكوت والغيب ولكل منهما اجزاء وقوى بما فيه مثال للآخر بحسب الفطرة ، لكن قوى البدن متفرقة في أعضاء البدن وقوى النفس مجتمعة في ذاتها ، والبدن ابدا في الانحلال والاضمحلال والنفس باقية يترسخ بقواها اما في السعادة والهدى واما في الشقاوة والضلال والهوى إلى الوبال .
فكما ان للبدن عين يبصر به المحسوسات فللنفس عين يبصر به اليقينيات وهي البصيرة الباطنة ، وكل انسان في مبدأ الامر ذا بصيرة بالقوة فإذا خرجت بصيرته اى عقله من القوة إلى الفعل وذلك بتكرر الادراكات وفعل الحسنات يصير بصيرا بالفعل ، وان لم يسلك هذه السبيل بل اعرض عنها صار أعمى بالفعل بعد ما كان بصيرا بالقوة ، وإليه الإشارة بقوله :
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
.
هامش
( 1 ) اى العقلاء .