أمارات ودلالات واضحات لأولي الألباب .
وهم الذين عبروا بقدمى الذكر والفكر عن قشر الوجود الظلماني الفاني إلى لب الوجود الروحاني النوراني الباقي ، فشاهدوا بعيون البصائر ونواظر الضمائر ان لهم وللعالم إلها قيوما قادر أحيا عليما سميعا بصيرا متكلما حكيما له الأسماء الحسنى والصفات العليا .
وانما نالوا هذه المرتبة العلية لأنهم
يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ
، ( آل عمران - 191 ) وهي عبارة عن جميع حالات الانسان ، اى يذكرون على كل حال بالظاهر والباطن ،
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ
، ( آل عمران - 191 ) وهي الأفلاك الدوارة ،
وَالْأَرْضِ
، ( آل عمران - 191 ) وهي الكرة الأرضية مستوية الأضلاع ساكنة « 1 » بحركات الأفلاك معلقة في وسطها ، وانه كيف خلق فيها الكواكب والسيارات فخلق بتأثيرها وخواصها في الأرض المعادن والنباتات والحيوانات بتدبيرات متناسبات معقولات .
ويقولون :
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
، ( آل عمران - 191 ) اى خلقته بالحق اظهارا للحق على الخلق وسيلة للخلق إلى الحق ،
سُبْحانَكَ
، ( آل عمران - 191 ) تنزيها لك في حقيتك عن الشبه لخليقتك والاحتياج ببريتك ،
فَقِنا
، ( آل عمران - 191 ) يا مستغنى عنا ،
عَذابَ النَّارِ
، ( آل عمران - 191 ) نار قهرك وقطيعتك .
واما كونها دالة على مدح أولى الألباب فهو ظاهر ، لان معرفة الآيات والحكم التي في العالم والاطلاع على دقائق الصنع وعجائب الفطرة التي في خلق الموجودات السماوية والأرضية مما لا يحصل الا في قليل من النفوس الذكية المزكية ، لان الناظر
هامش
( 1 ) لا يخفى على أولى الدراية والنهى ان فرضية حركة الأرض من الآراء المستحدثة ، ونظره قدس سره مطابقا لآراء القدماء كبطلميوس صاحب المجسطى وغيره من أصحاب الارصاد والتنجيم ، ولكن الكيس الفطن يعلم أن مراد الشارح يكون في حكمة منافع الأرض وخواصها ومنافعها لا سكونها وحركتها ، وان كانت لها حركة ، بل حركات أخرى كحركة الجوهرية وغيرها ، كما برهن عليها براهين متعددة في مواضعها .