تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
ايمانك ؟ قال : عزفت « 1 » نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها ، فكأني بالجنة والنار وكأني بعرش ربى بارزا ، فقال صلّى اللّه عليه وآله عرفت فالزم عبد « 2 » نور الايمان قلبه هذا مضمونه . وقد روى بلفظ اخر أطول كما في هذا الكتاب . وللزهد درجات مختلفة قوة وضعفا حسب درجات الاقسام بالقياس إلى نفسه وإلى المرغوب عنه وإلى المرغوب فيه ليس هاهنا موضع تلك التفاصيل والدرجات في الاقسام ، وان مهل اللّه في الاجل نرجع إليه في باب ذم الدنيا . واعلم أن البرهان على كون الدنيا وما فيها فانية لا بقاء لها هو ان هذا الكون اعني الوجود الطبيعي المادي كون ناقص مكانا وزمانا ، اما الأول فلان كل جسم مادي له اجزاء خارجية أو وهمية وكل منها غائب معدوم عن صاحبه وبالعكس ، والكل ليس الا جميع اجزائه المعدومة كلها عن كلها فالكل معدوم عن نفسه ولهذا ليس فيه ادراك وحياة ، لان الادراك عبارة عن الوجود الحضوري لشيء أو لصورته ، وما لا يدرك نفسه لا يدرك غيره . فهذا العالم عالم الموت والجهالة ، وكل علم وحياة يوجد للأجسام الدنيوية فهي عارضة لها من جهة النفوس المتعلقة بها ضربا من التعلق ، وجواهر النفوس من عالم الآخرة والآخرة عالم الحياة والعلم وإليه أشار بقوله تعالى :
وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ .
( العنكبوت - 64 ) . واما الثاني فقد أقمنا البرهان في كتبنا العقلية على أن الطبائع الجرمية فلكية كانت أو عنصرية متجددة الوجود والحدوث في كل آن فبقاؤها عين حدوثها وتجددها ووجودها نفس زوالها والمادة والاعراض تابعة للطبائع ، فاذن الدنيا دار زوال بخلاف النشأة الآخرة فإنها دار ثبات وقرار .
هامش
( 1 ) عزفت اى زهدت ، وعزفت نفسه عن الشيء : زهدت فيه ومنعته . ( 2 ) اى هو عبد .