وثالثها : أنه قال هناك :
لِلْعالَمِينَ
، وقال هاهنا :
لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
، لان السفينة موجودة في جميع أقطار العالم ، فعند كل قوم مثال لسفينة نوح يتذكرون بها حاله ، وإذا ركبوا فيها يطلبون من اللّه النجاة ولا يثق أحد بمجرد السفينة بل يكون دائما مرتجف القلب متضرعا إلى اللّه طلبا للنجاة .
واما اثر الهلاك في هذه البلاد ففي مواضع مخصوصة لا يطلع عليها الا من يمر بها ويصل إليها ويكون له عقل يعلم أن ذلك من امر اللّه وقدرته لاختصاصه بمكان دون مكان وفي زمان دون غيره .
المشهد السادس في ان العقل لا ينفك عن العلم وهما متصاحبان
قوله عليه السلام : « يا هشام : ان العقل مع العلم فقال :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
» ( العنكبوت - 43 ) .
قد علمت أن العقل بجميع معانيها المختلفة مستلزمة للعلم مطلقا وفي بعضها عين العلم ، والعقل البسيط القرآني الّذي هو اشرف اقسامه عبارة عن وجود جميع المعلومات أو جلها في ذات واحدة على وجه الاجمال ، وبعده العقل التفصيلي الفرقانى وهي العلوم الكلية التفصيلية التي افادها ذلك العقل البسيط الفعال لها : وهذه العلوم الصورية المفصلة موجودة لذلك العقل وجود الفعل للفاعل على وجه مقدس وهي موجودة للنفس العاقلة وجود الفعل للقابل وجودا زمانيا متغيرا متكثرا .
ولما كان المراد بالعلم هاهنا هو ادراك المعقولات واليقينيات فلا جرم كان مدركه ذاتا عقلية بسيطة كانت أو نفسانية ، ثم إن المثل كما مرت الإشارة إليه عبارة عن أداء المعنى في صورة ان نظرت إلى معناها وجدته صادقا وان نظرت إلى صورتها وجدته كاذبا .
وانما كثر في القرآن ضرب الأمثال لان الدنيا من عالم الملك والشهادة والآخرة من عالم الغيب والملكوت ، وما من صورة في هذا العالم إلا ولها حقيقة في عالم الآخرة .