ووجه اخر : انه لما ذكر الآيات التي وقع الحث فيها للعاقل على النظر والتأمل فقط دون العمل الصالح كانت هناك مظنة ان لا حاجة للانسان في تكميل ذاته وصيرورته عارفا باللّه وآياته إلى أن يعمل الصالحات ويترك السيئات ، فاتى عليه السلام بذكر آية أخرى يقع فيها الحث بالعمل الصالح والاجتناب عما حرم اللّه ليعلم ان الكمال الانساني كما يتوقف على التحلية والتصوير كذلك يترتب على التخلية والتطهير ، واللّه اعلم بالسرائر .
قوله عليه السلام « وقال :
هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ »
( الروم - 28 ) .
اما معنى الآية فهو انه سبحانه لما ذكر الآيات الدالة على التوحيد فأراد ضرب مثل توضيحا للمقصد على الافهام القاصرة عن ادراك البراهين العقلية فقال :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ
، وذلك في الحقيقة عبارة عن ايراد مثال جزئي محسوس لامر كلى معقول .
وذلك لان أكثر الافهام قاصرة عن ادراك الماهية العقلية للشئ الا في مادة محسوسة ، كمن لا يعرف حقيقة العلم فيقال له انه مثل اللبن ، حيث إنه غذاء للروح يتغذى به الروح الناقص ويصير به كاملا كما يتغذى باللبن الطفل الناقص ويصير به كاملا ، وهو غذاء كله لب لا قشر له ، كاللبن لا نخالة فيه ، وكما يمثل القرآن بالحبل المتين والشرع بالقيد . وبالجملة مثال الشيء ما إذا نظر إلى صورته الظاهرة لم يكن إياه ، وإذا نظر إلى روح معناه وفحواه كان هو ذلك الشيء وأكثر القرآن أمثال ضربت للناس ظواهرها حكاية عن حقائقها المكشوفة عند ذوى البصائر قال :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
( العنكبوت - 43 ) .
إذا عرفت هذا فنقول : انه لما بين سبحانه الإلهية والوحدانية بالدليل بينها أيضا بالمثل بعد الدليل ، ومعناه ان من يكون له مملوك لا يكون ذلك المملوك شريكا له في ماله ولا يكون له حرمة كحرمة سيده ، فكيف يجوز ان يكون عباد اللّه ومخلوقاته شركاء