والاشكال والصور والأمثال مما لا شبه له ولا ند ولا شريك ولا ضد كما أن صنعه ونقشه لا يساويه نقش وصنع فبين الفاعلين من التباعد والمباينة كما بين الفعلين ، فعدم تعجبك وغفلتك عن هذا أعجب من كل عجيب ، فان الّذي أعمى بصيرتك مع هذا الوضوح ومنعك اليقين مع هذا البيان جدير بان يتعجب منه . فسبحان من هدى وأضل واغوى وارشد وفتح بصائر أحبائه فشاهدوه في جميع ذرات العالم واجزائه ، وأعمى قلوب أعدائه واصمهم فقال فيهم :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( البقرة - 171 ) ، فله الخلق والامر لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه .
المشهد الثاني في سبب انزاله من السماء
قال بعض الطبيعيين ومن يجرى مجراهم ممن قصر نظره في الأمور على الطبيعة الجرمية ولم يرتفع إلى ملكوت السماء فكيف إلى من سخر الشمس والقمر والنجوم :
لما شاء وأراد أن الشمس تؤثر في الأرض فيخرج منها ابخرة متصاعدة ، فإذا وصلت إلى الجو بردت وتكاثفت اجزاؤها فثقلت فرجعت من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ثم تواصلت الاجزاء الرشية فتقاطرت نازلة إلى الأرض .
فهذا غاية مبلغهم من العلم والّذي ذكروه وان كان له وجه الا انه لا مانع عند العارف البصير من أن يكون ابتداء نزول الماء من جوهر السماء ، فقد يكون للشئ الواحد أكوان مختلفة ونشئات متعددة بعضها أعلى وارفع من بعض .
فمبدأ إنشاء السحاب وتكوين الأمطار انما هو من عالم السماء وبأمر اللّه وحكمته بواسطة الملائكة العلوية السماوية والسفلية الأرضية من المدبرات والسابقات والزاجرات التي لا يعلم تفاصيلها الا اللّه ، لكن الراسخون في العلم يؤمنون بها ويعرفون مجملاتها ومقاماتها في الوجود وتفاضلها في الشرف والعلو ، وليس حال من قصر نظره في الماء على هذه الطبيعة الدنية وعمى قلبه عن ملاحظة ما فوقها بأدون واخس وفي مهوى الجهالة اهبط من حال من زعم أن الماء بهذه الطبيعة والصفة كان موجودا قبل