فان قلت : كثير من خشب السفينة اثقل من الماء فكيف لا يغوص في الماء سيما إذا شحن بالاثقال ؟
قلنا : هاهنا دقيقة وهو : ان الأجسام المتداخلة بعضها في بعض بمنزلة جسم واحد ، فلو فرض جسم السفينة من حديد ولا شك انه عند انفراده واجتماع اجزائه يقع تحت الماء إذا وقع فيه ، ولكن إذا صار ذا جوف كالحقة بل كالقصعة يدخله الهواء وكان مع الهواء بمنزلة جسم واحد ، فالمعتبر في الرسوب إلى الماء وعدمه ثقل المجموع بالقياس إليه ، والقاعدة الكلية هاهنا هي انه :
إذا فرض مع الماء جسم اخر فإن كان بحيث نسبة حجمه إلى حجم الماء كنسبة ثقله إلى ثقل الماء فلا يرسب فيه ابدا ، بل يكون سطحه العالي مساويا لسطح الماء في العلو والسفل ، وان كانت نسبة حجمه إلى حجم الماء أقل منها فيرسب فيه البتة ، وبقدر تفاوت ثقله يكون سرعة حركته وبطؤها في النزول إلى القعر ، وان كانت أكثر فلا يرسب على الطريق الأولى لكن يخرج منه شيء من الماء ، ثم بقدر أكثرية هذه النسبة يكون خروج ابعاضه حتى يستوفى جميع النسب التي يتصور بينهما ، فلم يبق نسبة بينهما لا عددية ولا صمية ، وذلك بان لا يكون لذلك الشيء ثقل وميل إلى المركز أصلا ، وعند ذلك يكون مماسا له بنقطة ان كان كرة أو بخط أو سطح ان كان غيرها من الاشكال ، كل ذلك إذا كان غير طالب للعلو والا فيرتفع منفصلا عن الماء .
الفصل الخامس في شواهد الربوبية في قوله تعالى : وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها
( البقرة - 164 )
اعلم أن دلائل الإلهية وشواهد الربوبية في خلق الماء وانزاله من عالم السماء كثيرة والنظر هاهنا اما في خلقه واما في انزاله من السماء واما في حياة الأرض به ، فههنا مشاهد :
[ المشهد ] الأول في النظر في خلقه
وذلك من وجوه : أحدها : بالنظر في نحو وجوده وهو جسم رقيق متصل الاجزاء كأنه شيء واحد غير قابل للكثرة والتقطيع ، وانه سريع