الإلهية لما لم يجز وقوفها على حد لا يتجاوزه حتى يبقى ورائه الامكان الغير المتناهى من الاشخاص للأنواع وجدت مادة قابلة ذات قوة القبول إلى غير النهاية ، كما أن للمبدإ قوة الفعل إلى غير النهاية ، وكان لا بد من تجدد الفيض في تجدد امر ما متجدد بذاته ، فوجدت اشخاصا فلكية دائرة لأغراض علوية يتبعها استعدادات مادية غير متناهية تنضم إلى فاعل غير متناه في قوة التأثير والايجاد وقابل غير متناه في القبول والاعداد ، فينفتح باب نزول البركات ورشح الخيرات دائما في الآزال والآباد ويحصل الفيض على كل قابل بحسب استعداده واستحقاقه ، إذ المبدأ الواهب لا تغير فيه ، ولو كان للنمل استحقاق قبول نفس اشرف كما للانسان لحصلت فيها من فيض جوده سبحانه ، ولنكتف هاهنا بهذا القدر واللّه ولى التوفيق .
الفصل الثاني في حكمة خلق الأرض والتدبر في نحو وجودها وصفاتها واستقرارها في وسط الكل وكثافتها ولونها الغبراء لتكون قابلة للانارة والضياء
، وتوسطها في الصلابة حتى يمكن المشي عليها للحيوان وتقبل الحرث والزرع للاغتذاء ولتكون ما فيها من الأشياء ثم في أنهارها وجبالها ومعادنها .
فمن الآيات التي فيها ان خلق الأرض فراشا ومهادا وسلك فيها سبلا وفجاجا وجعلها ذلولا لتمشوا في مناكبها وجعل الجبال فيها أوتادا تمنعها من أن تميد وتزلزل فقال :
وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ
( الذاريات - 48 ) ، وقال :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
( البقرة - 22 ) ، وذلك لا ينافي استدارة شكلها لعظم جرمها بحيث لا يفرق الحس بين استدارة سطحها واستوائه وكون ظهرها مقر الاحياء وبطنها موطن الأموات ، ولذلك قال تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً
( المرسلات - 25 ) .
ومن الآيات قسمتها إلى الأقاليم السبعة بحسب نسب مواضعها المختلفة إلى مدار الشمس ، واختلاف أمزجة سكانها وأحوالهم وألوانهم ومكاسبهم وأخلاقهم على حسب اختلاف تلك المواضع ، ومن الآيات وجود البحار العميقة فيها المكتنفة