ولا يخلو اما ان يكون موجودة معا أو متعاقبة ، والأول محال لنهوض البراهين على بطلان اللاتناهي في الأسباب والعلل المجتمعة معا ، فلم يبق الا التلاحق على وجه الاتصال ، إذ لو انفصلت الحوادث عاد المحذور الأول ، وذلك لا يكون الا بحركة دائمة ولا يحتمل شيء من الحركات الدوام الا الدورية ومحلها ليس الا الفلك ، وأيضا حدوث الحادث وتكون الكائن هاهنا لا يمكن الا بالحركة المستقيمة وهي دلت على اختلاف الجهتين ، ولا يمكن اختلافهما الا بجسم محيط وهو السماء .
فثبت وجود السماء وانها متحركة دائما ما دامت موجودة ، وكل متحرك له محرك غير ذاته المتحركة بوجوه من البراهين مذكورة في الكتب لا نطول الكلام بذكرها ويكفى ما سبق ذكره من كون قابل الشيء غير فاعله فنقول :
ان فاعل هذه الحركة يجب ان يكون ذا قوة غير متناهية في التأثير ، وليس شيء من الأجسام وقواها السارية فيها ونفوسها المتعلقة بها كذلك ، فمحرك الأفلاك وفاعلها ليس بجسم ولا جسماني بل امر مقدس عن التغير والتجسم وهو الباري جلت عظمته أو ملك مقرب هو امره ، لكن الأفلاك لكثرتها واختلافها نوعا وشرفا واختلاف حركاتها جهة وقدرا ينبغي ان يكون أسبابها القدسية متكثرة حسب تكثرها كما دل عليه قوله تعالى :
وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
( فصلت - 12 ) ، واللّه سبحانه مبدع الامر والخلق وموجد العقل والجسم .
البرهان الرابع : وهو مما أفادنا اللّه بالهامه وهو : انا أقمنا البرهان على حدوث الاجرام الفلكية وطبائعها ونفوسها في كل آن ولحظة وان لها في كل آن خلع ولبس جديد وخلق وبعث عتيد .
وهذه المقدمة مما قد احكمناها بوجوه برهانية ومقدمات حكمية يحكم كل عاقل منصف بصحتها بعد النظر والامعان مما يطول ذكره هاهنا ويدل عليه شواهد قرآنية من قوله :
بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ
( ق - 15 ) ، وقوله :
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
( الرحمن - 29 ) ، وقوله :
وَتَرَى الْجِبالَ
( النمل - 88 ) ، وغير ذلك . فاذن بعد تمهيدها نقول : ان الأفلاك لتجدد ذواتها وحركتها الجوهرية المستلزمة لهذه الوضعية يفتقر كل