تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
فإنك قد تشتبه بغيرك عندي ، وهو « 1 » أولى بالاشتباه من أنت ، فاعرف الضمائر انا وبعدها أنت وبعدهما هو . وهاهنا دقيقة شريفة وهي : انى إذا قلت : انا ، مشيرا إلى ذاتي ، وجدت جميع المفهومات غائبا عن ذاتي حتى اجزاء ماهيتى الانسانية ، لان جميعها مما أشرت إليه بهو ، حتى فصلى الناطق فإنه أيضا وان تخصص بألف تخصيص أشرت إليه بهو ، ولا شك ان انا غير هو ، فاذن يكون ذاتي عين الوجود البسيط الّذي لا حدّ له ولا جزء له ، إذ لم أجد في علمي بذاتى هذا العلم الشهودي الا انيتى الوجودية الحية الادراكية ، وأجد البدن وسائر الأعضاء كالقلب والدماغ خارجا عن ذاتي ، لانى أشير إلى كل منها بهو ، وإذا كان ذاتي على هذه البساطة وهذا التجرد فالعقول أولى ، فما فوقها أشد جلالة وأعظم تقدسا بما لا يتناهى . فان قلت : إذا أمكنت الإشارة إلى المفهومات الكلية بهو ، فكيف حكمت بان الضمائر كلها للوجودات لا للماهيات والمفهومات ؟ قلنا : الإشارة إليها بهو لا يستلزم ان يكون موضوعا بإزائها ، ولكن الوجه ان الإشارة إليها ليست من حيث طبيعتها الكلية ، بل من حيث حضورها الذهني وتعينها العقلي الّذي هو نحو من الوجود . فإذا عرفت ما قررناه فظهر : ان عرفان كل شيء بذاته أتم من عرفانه بغيره سواء كان حاضرا أو غائبا ، فالعرفان التام باللّه ليس الا للّه ، لأنه هو الّذي يشير إلى ذاته تعالى بانا ، فلما لم يمكن لاحد ممن سواه ان يشير إلى ذاته بالضمير الّذي هو اعرف الضمائر وهو انا الاله تعالى ، علمنا أن العرفان التام به سبحانه ليس الاله ، فبقى الطريقان الآخران وهما أنت وهو ، اما أنت : فللحاضرين في مقام المكاشفات والمشاهدات ، الذين فنوا عن جميع الحظوظ البشرية على ما اخبر اللّه عن يونس عليه السلام بعد ان فنى في ظلمات عالم الحدوث عن آثار الحدوث والامكان والأنانية ووصل إلى مقام الشهود فقال :
فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ
( الأنبياء - 87 ) وهذا ينبهك على أنه لا سبيل
هامش
( 1 ) اى ضمير الغائب .