من آثاره وافعاله ولوازمه .
فان طريق المعرفة بالشيء أحد أمور ثلاثة : اما من جهة العلم بأسبابه وعلله ، واما من جهة العلم بآثاره ولوازمه ، واما بمشاهدة صريح ذاته ، لان ما لا يكون نفس الشيء ولا علته ولا معلوله فلا تعلق له بذلك الشيء فلا دخل له في كونه وسيلة إلى معرفته ، اما العلم به تعالى من جهة السبب والعلة فهو ممتنع ، إذ ليس لذاته سبب خارج إذ لا فاعل له ولا غاية ولا سبب داخل في وجوده كمادة أو صورة ، لأنه بسيط ولا في ماهيته كجنس أو فصل ، إذ لا ماهية له ، لان كل ذي ماهية معلول واللّه سبحانه صريح الوجود الحق بلا ماهية ، ومحض الشهود والحضور بلا عموم وابهام .
واما العلم به بصريح شهوده ورؤية ذاته فذلك لا يمكن الا بفناء هوية الممكن واندكاك جبل انيته ، ولم يتيسر لاحد من الأنبياء عليهم السلام في دار الدنيا ، وانما وقع لنبينا صلّى اللّه عليه وآله ليلة المعراج مكالمة الحق وشهوده بلا حجاب فبقى الشق الثالث كما قال تعالى في حق الخليل عليه السلام :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
( الانعام - 175 ) .
واعلم أن المذكور هاهنا آيتان : أحدهما في ذكر الحق وتوحيده ، والثانية في ذكر الآيات الدالة عليه ، فقوله تعالى :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
، بمنزلة مطلوب قدم ذكره على وجه تصوير الدعوى ليستدل عليه بوجوده من الدلائل والبينات ، وقوله :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ
( البقرة - 164 ) إلى آخره بيان للأدلة والآيات ، فلنتكلم نحن أيضا أو لا في تصوير هذه الدعوى وشرح مفهوم هذا التوحيد المذكور في الآية الأولى وتفسير ألفاظها ، ثم نأخذ في تفسير الآية الثانية التي هي في بيان الأدلة ، فان مطلوب الماء الشارحة للشئ التي هي للسؤال عن شرح اسمه ومفهومه مقدم على مطلوب هل البسيطة التي للسؤال عن اثبات وجوده أو سلبه ، إذ ما لا يعلم شرح اسمه ومفهومه لا يمكن البحث عن اثبات وجوده أو سلبه .
فنقول : في الآية الأولى
[ الفصل الأول وفيه ] مبحثان :
الأول في قوله تعالى : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
وفيه مقاصد :
[ المقصد ] الأول : فيما يتعلق بلفظ الاله
، من أنه اسم أو صفة جامد أو مشتق علم أو غيره