فان الانسان ليس من جهة جسمه ولا جزء جسمه ولا من جهة قوة قائمة بعضو منه كالحواس وغيرها التي توجد في البهائم قابل للمعرفة والهدى ، فما لم يكن الانسان عاقلا كامل الفهم امتنع حصول هذه المعارف في قلبه .
والبرهان على أن الفاعل لهذه الهداية هو اللّه هو : ان جوهر النفس مع ما فيها من نور العقل كما أنه قابل للاعتقاد الحق قابل أيضا الاعتقاد الباطل ، وإذا كان الشيء قابلا للضدين كانت نسبته إليهما على السواء ، ومتى كان كذلك امتنع ان يكون هو المقتضى أو المرجح لأحدهما .
لا يقال : يجوز ان يكون ذات النفس أو العقل مرجحا لأحدهما وان لم يكن مقتضيا بان يريد تحصيل أحد الطرفين فتصير تلك الإرادة سببا لذلك الرجحان .
لأنا نقول : ذات النفس كما انها قابلة لهذه الإرادة كذلك قابلة لإرادة مضادة لها ، فيمتنع ان يكون سببا فاعلا لتلك الإرادة .
فثبت ان حصول الهداية لا بد لها من فاعل ومن قابل ، فالفاعل يمتنع ان يكون جوهر النفس ، بل الفاعل هو اللّه سبحانه ، واما القابل فهو جوهر النفس بكماله العقلي ، فللإشارة إليهما قال : أولئك الذين هديهم اللّه وأولئك هم أولو الألباب .
المشهد الثاني في انه تعالى أكمل نفوس حججه وأنبيائه بالعقول الكاملة المدركة لحقائق الأشياء الدالة على ربوبيته وتوحيده باعلام اللّه لهم الآيات والدلائل ، ونصرته وتأييده إياهم بها
« قوله عليه السلام : يا هشام : ان اللّه تبارك وتعالى أكمل للناس الحجج بالعقول ونصر النبيين بالبيان ودلهم على ربوبيته بالأدلّة فقال :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
» ( البقرة - 163 ) ، اى أكمل نفوس الأنبياء عليهم السلام بالعقول الفاضلة العلامة ليكونوا حججا على عباده ، وهداة لهم إلى النجاة عن حيرة الضلالة ، ونصرهم ببيان الحق واعلام الصدق ، ودلهم على ربوبيته وعلمهم طريق معرفته وتوحيده بأدلة شاهدة على ذاته وآيات كاشفة عن إلهيته وتوحيده ، وتلك الأدلة والآيات لا بد ان يكون