تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح أصول الكافي — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
» ( الزمر - 17 و 18 ) ، اعلم أن هذه الآية تدل على فوائد : الأولى : وجوب النظر والاستدلال ، وذلك لان الهداية والفلاح مربوطان بما إذا سمع الانسان أشياء كثيرة يختار منها ما هو الأحسن والأصوب وان يميز القشر عن اللباب والأحسن الأصوب عما يخالفه في كل باب ، وذلك لا يحصل بمجرد السماع وانما يتأتى بحجة العقل ، وذلك يدل على أن الموجب للاستحقاق متابعة حجة العقل وبناؤها على النظر والاستدلال . الثانية : ان الطريق إلى تصحيح المذاهب والأقوال قسمان : أحدهما : إقامة الحجة والبينة على صحتها على سبيل التفصيل وذلك لا يمكن الا بالخوض في واحد واحد منها ، وثانيهما : ان نعرض قبل الخوض والبحث عن الدلائل وتزييف الشبهات تلك المذاهب على العقول والأذهان « 1 » ، فكل ما حكم به العقل السليم بأنه أفضل وأحسن كان أولى بالقبول والاتباع ، مثاله صريح العقل شاهد بان القول بان اللّه العالم حق عالم قادر حكيم في افعاله برئ من النقائص رحيم بالعباد أولى من انكاره ، وكذا القول بان اللّه لا يجرى في ملكه وسلطانه الا ما كان على وفق علمه ومشيته أولى من القول بخلافه ، وان القول بأنه واحد فرد لا تركيب فيه ولا شريك له ولا شبه ولا ند أولى من القول بأنه مبعض مؤلف ذو مشارك ، وأيضا القول بأنه مستغن عن الزمان والمكان أولى من القول بافتقاره إليهما ، والقول بأنه قد يعفو عن الكبائر والسيئات أولى بأنه لا يعفو عنها البتة ، وأمثال هذه الأبواب كثيرة جدا وكلها داخلة تحت قوله تعالى :
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
. الفائدة الثالثة : ان في الآية دقيقة عجيبة وهي : ان حصول الهداية في العقل والروح اثر حادث فلا بد له من فاعل وقابل كما مر ، اما الفاعل فهو اللّه سبحانه ولذلك قال :
أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ
، واما القابلون فاليه الإشارة بقوله :
أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
،
هامش
( 1 ) اى قبل الخوض والبحث . . . نعرض تلك المذاهب على العقول والأذهان . اى على عقولنا .