إلهام الحق وإفادة العلم والوعد بالمعروف وقد خلقه وسخره لذلك ، والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك وهو الاغواء والايحاء بالغرور والوعد بالشر والامر بالمنكر والتخويف والايعاد بالفقر عند الهم في الخير ، فالوسوسة في مقابلة الالهام والشيطان في مقابلة الملك والتوفيق في مقابلة الخذلان ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ
( الذاريات - 49 ) ، واللّه الواحد لا مقابل له ولا ضد ولا ند ، والممكنات أمور متقابلة وهو الواحد الفرد الخالق للأزواج والاضداد والأنداد ، والقلب ما دام كونه قلبا متجاذب بين الشيطان والملك .
وقد ورد عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : في القلب لمتان : لمة من الملك وعد بالخير وتصديق بالحق ، ولمة من العدو ايعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهى عن الخير ، وعنه صلّى اللّه عليه وآله : قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن ، واللّه سبحانه اجل من أن يكون له إصبع جسماني ، لكن معنى الإصبع وسره وروحه الواسطة المقدرة التي بها يقع سرعة التقليب والتحريك ، سواء كانت الواسطة جسما أو امرا آخر ، وكما انك باصابعك تتقاضى الافعال ، فاللّه سبحانه انما يفعل ما يفعله في هذا العالم باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران لقدرته في تقليب القلوب ، كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام ، والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملائكة ولقبول آثار الشيطان قبولا متساويا ، وانما يترجح أحد الجانبين على الآخر اما باتباع الهوى والاكباب على الشهوات أو بالاعراض عنها ومخالفتها .
ولكل من الملائكة والشياطين جنود واحزاب كما سيأتي في حديث الهشام ، فان اتبع الانسان مقتضى الشهوة والغضب والهوى والدواعي الذميمة والاخلاق السيئة ظهر تسلط العدو بواسطة الهوى والجهل وصار القلب عش الشيطان وملكه ، وان جاهد الهوى والشهوات وسلك سبيل اللّه وتشبه باخلاق الملائكة بالعلم والطهارة والتقوى وذكر الحق وآياته واشتاق إلى الآخرة وزهد في الدنيا صار قلبه كالسماء مستقر الملائكة الكرام ومهبط الالهامات ومعدن المعارف الإلهية والاشراقات العقلية ، فقد ظهر لك معنى الوسوسة وقابلها ومبدأها الفاعلي الّذي هو الشيطان ومعنى الالهام