أو غيرها ، والوسواسة في النية سببه خبل « 1 » في العقل أو جهل بالشرع ، لان امتثال امر اللّه كامتثال امر غيره ، وتعظيمه كتعظيم غيره في باب ما يتعلق بالقصد ، فمن دخل عليه عالم فقام له تعظيما ، فلو قال : انتصبت قائما تعظيما لدخول هذا الفاضل لأجل فضله قياما مقارنا لدخوله مقبلا عليه بوجهي ، لعد سفيها في عقله ، لأن هذه المعاني والصفات محظورة بالبال لا يستدعى حضورها جملة في القلب طولا في الزمان ، وانما يطول زمان نظم الالفاظ الدالة عليها اما تلفظا باللسان أو حديثا بالنفس ، فمن لم يفهم نية الصلاة على هذا الوجه فكأنه لم يفهم معنى النية ، فليس معناها الا انك دعيت بأمر اللّه إلى أن تصلى في وقت معين ، فأجبت وقمت ، فالوسوسة محض الجهل .
فان هذه القصود وهذه العلوم مجتمعة في النفس في حالة واحدة ولا تكون مفصلة مشروحة في الذهن ، وفرق بين حضور الشيء في النفس وبين حضور تفصيله في الفكر ، وقد يتصور الانسان شيئا بصورة واحدة يتضمن معاني كثيرة وقد يحكم عليه بحكم واحد يتضمن احكاما كثيرة ، كقولك : الانسان حادث ، فتصور الانسان يتضمن تصور الموجود والممكن والجوهر والجسم والمتحيز والنامي والمتغذى والحساس والعاقل والمختار والمتحرك وذا الأعضاء من الرأس واليد والرجل وغيرها من الصفات والأعضاء ، وكذا الحكم بأنه حادث حكم بأنه موجود وانه في زمان وان لعدمه زمان سابق ولوجوده زمان لاحق ، فهذه احكام متعددة يتضمنها الحكم بأنه حادث ، ولكن ليست هذه التفاصيل حاضرة في الذهن متميزة بعضها عن بعض ، فهكذا القياس في قصد ايقاع الصلاة وغيرها ثم الوسوسة في غير النية كاعمال الوضوء والصلاة أشنع وأقبح .
قوله عليه السلام : فيقول لك من عمل الشيطان ، هذا قوله بلسانه ولم يؤمن به قلبه ، إذ لو عرف على وجه البصيرة ان الّذي يأتيه من عمل الشيطان لكان رجلا عاقلا لا موسوسا ، وانما يقوله تقليدا أو اضطرارا ، وذلك على وزان ما حكى اللّه عن الكفار :
هامش
( 1 ) الخبل بالخاء المعجمة والباء الساكنة : فساد الأعضاء أو العقول ، وفي الحديث :
من شرب الخمر سقاه اللّه من طينة الخبال يوم القيامة ، جاء تفسيره في الحديث انه عصارة أهل النار - منه قدس سره .