الانسان البهائم امر متفاوت في افراد الناس بحسب الفطرة الأولى ، وكذا يتفاضل الناس في عقولهم المكتسبة بحسب استكمال كل من العقلين المذكورين في علم النفس وفي علم الاخلاق ، وهذا الاستكمال ليس الا اشتداد في أصل الجوهر الفطري ، فكلما كان جوهر النفس في اوّل الفطرة أقوى وأنور ، كان تأثير العلوم والطاعات فيه أشد وأبين ، وكماله العقلي الثانوي من جهة احدى القوتين النظرية أو العملية اشرف وأعلى ، وإلى العقل الأعظم ، الكلى أوصل وإلى الحق الأول تعالى أقرب ، فظهر ان افراد الانسان متخالفة بحسب الهويات العقلية تخالفا عظيما في الكمال والنقص والشرف والخسة ، ومعلوم ان الأحوال تابعة للذوات فحسنها وبهاؤها تابع لحسن الذات وشرفها ، ولذا روى عن أمير المؤمنين عليه السلام :
ان العقل عقلان : مطبوع ومسموع * ولا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوع
كما لا ينفع نور الشمس وضوء العين ممنوع
وروى أيضا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال لأبي درداء : ازدد عقلا تزدد من ربك قربا ، وهو المراد بقوله صلّى اللّه عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام :
يا علي : إذا تقرب الناس إلى خالقهم بأبواب البر فتقرب أنت بعقلك .
ومما ورد في هذا الباب في طريق العامة أنه قال صلّى اللّه عليه وآله لواحد من الصحابة : اجتنب محارم اللّه واد فرائض اللّه تكن عاقلا ، وعن سعيد بن مسيب : ان عمرو أبى بن كعب وأبا هريرة دخلوا على النبي صلّى اللّه عليه وآله فقالوا : يا رسول اللّه من اعلم الناس ؟ فقال : العاقل ، فقالوا : من اعبد الناس ؟ فقال : العاقل ، فقالوا : من أفضل الناس ؟ قال : العاقل ، قالوا : أليس العاقل من تمت مروته وظهرت فصاحته وجادت كفه وعظمت منزلته ؟ فقال صلّى اللّه عليه وآله :
وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا . . .
الآية ( الزخرف - 35 ) ، ان العاقل هو المتقى وان كان في الدنيا خسيسا دنيا .
ويشبه ان يكون اسم العقل في الأصل لتلك الغريزة ثم استعمل لكمالها الحاصل في بعض الافراد ، كما يطلق السواد أولا على كيفية قابضة للبصر بوجه ثم يطلق ثانيا على ما فيه شدة في معنى السوادية بالإضافة إلى ما دونه ، فإذا قيس سواد الفيل إلى سواد