الرابع الشيء الّذي به يقول الجمهور في الانسان انه عاقل ، ومرجعه إلى جودة الروية وسرعة التفطن في استنباط ما ينبغي ان يؤثر أو يتجنب ، وان كان في باب الاغراض الدنياوية وهوى النفس الامارة بالسوء ، فان الناس يسمون من له هذه الروية المذكورة عاقلا ويعدون معاوية من جملة العقلاء .
واما أهل الحق فلا يسمون هذه الحالة عقلا بل أسماء اخر كالنكراء أو الشيطنة أو الدهاء أو شبه هذه الأسماء .
والوجه في ذلك : ان النفس الانسانية متى كانت نشأتها غير مرتفعة عن عالم الحركات وكان الغالب على طبعها الجزء النارى التي شأنها سرعة الحركة وقوة الاشتعال ، فمثل هذه النفس النارية شديدة الشبه بالشيطان في استنباط الحيل والمكر والاستبداد بالرأي والعمل بالقياس الفاسد والاباء والاستعلاء والغواية والاغواء ، بخلاف النفوس النورية المطمئنة الطبع المعتدلة الخلقة العالية الجوهر عن هذا العالم ، فان شأنها الانفعال عن الملكوت الاعلى والتوكل على اللّه في امر دنياها واستعمال الروية والفكر على سبيل القصد « 1 » ، فلا يكون مكارا ولا بليدا ، فخير الأمور أوسطها .
فهذا معنى العقل المستعمل في هذا الموضع ومرجعه إلى التعقل للأمور والقضايا المستعملة في كتب الاخلاق التي هي مباد للآراء والعلوم التي لنا ان نعقلها لنفعلها أو نتجنب عنها ، ونسبة هذه القضايا إلى العقل المستعمل في كتب الاخلاق كنسبة تلك العلوم الضرورية إلى العقل المستعمل في كتاب البرهان .
فذانك العقلان جزءان للنفس الانسانية : أحدهما جزء انفعالى علمي ينفعل عن المبادى العالية بالعلوم والمعارف التي غايتها أنفسها وهي الايمان باللّه واليوم الآخر ، وثانيهما جزء فعلى عملي يفعل فيما تحته بسبب الآراء والعلوم التي غايتها ان يعمل بمقتضاها من فعل الطاعات والاجتناب عن المعاصي والتخلق بالأخلاق الحسنة والتخلص عن الاخلاق الذميمة وهو الدين والشريعة ، فإذا حصلت الغايتان حصل التقرب إلى اللّه
هامش
( 1 ) اى التوسط .