بلا واسطة « 1 » لا يمكن التعصى والتمرد بخلاف الامر بالواسطة ، فيجوز فيه الأمران ، فمنهم من أطاع ومنهم من عصى .
واعلم يا اخى ان للانسان قوة بها يدرك الحقائق وهي المسماة بالعقل ، وقوة بها ينفعل عن ما يرد على القلب وهي المسماة بالحياء ، وقوة بها تقتدر على فعل الطاعات وترك المنكرات ويسمى بالدين ، وهذه الالفاظ الثلاثة كما قد يطلق على هذه المبادى اعني القوى والاخلاق ، كذلك يطلق على آثارها والافعال الناشئة منها ، فيقال : ان العقل ادراك المعقولات ، والحياء انفعال القلب عما يرد عليه ، والدين فعل المعروفات وترك المنكرات ، والحياء على قسمين : حياء نشأت من ضعف القلب وقلة الاحتمال لعجزه وهي ليست بممدوحة ، وحياء نشأت من استشعار العظمة والهيبة ، فالأولى حياء من الخلق والثانية حياء من الحق وهي من محاسن الاخلاق ومكارم الخصال ، ولهذا ورد :
الحياء من الايمان .
وقال بعض العرفاء : الحياء وجود الهيبة في القلب مع خشية ما سبق منك إلى ربك . وقال بعضهم : ان العباد عملوا على اربع درجات : الخوف والرجاء والتعظيم والحياء ، وأشرفهم منزلة من عمل على الحياء ، لما أيقن ان اللّه يراه على كل حال ، فاستحيى من حسناته أكثر مما استحيى العاصون من سيئاتهم وهذه الخصال الثلاث لكل منها ضد ، فضد العقل هو الجهل بالمعنى الوجودي ، اعني ادراك الشيء خلاف ما هو عليه ، وهو من أسوإ الاخلاق السيئة وأفسدها ، إذ الكفر شعبة منه ، وضد الحياء الوقاحة ، وضد الدين الفسق ، إذا تقررت هذه المقدمات فنقول :
في هذا الحديث مطالب ثلاثة : أحدها وجه الاقتصار على هذه الخصال الثلاث ، والثاني وجه كون العقل هو المختار منها ، والثالث علة استلزامه للأخيرتين .
اما الأول : فان للانسان قوتين : فعلية وانفعالية ، والأولى إذا كانت فاضلة يصدر منها فعل الطاعات والعبادات ويسمى بالدين تسمية للسبب « 2 » باسم مسببه ، والثانية : اما
هامش
( 1 ) اى الواسطة البشرى كالأنبياء .
( 2 ) وهو قوة فعلية فاضلة - وباسم مسببه اى فعل الطاعات .