ان يشد به ازرى ويحط بكرمه وزرى ويشرح لا تمامه صدري فنهضت عزيمتي بعد ما كانت قاعدة ، وهبتت « 1 » همتي غب ما كانت راكدة ، واهتز الخامل من نشاطي وتموج الساكن من انبساطي ، وقلت لنفسي : هذا أوان الشروع وشرح أصول يستنبط منها الفروع ، وتحلية الاسماع بجواهر المعاني الفائقة ، وابراز الحق في صورته المعجبة الرائقة ، غير مبال بانكار المنكرين واستنكار الجاحدين المتكبرين ، توكلا على اللّه ورجاء منه في إعانة الصابرين وإغاثة الملهوفين ودفع شرور المعاندين ورد كيد الحاسدين ، كما قال تعالى :
قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
( الانعام - 91 ) ،
قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
( الكهف - 29 ) .
والرجل المؤمن المتيقن فيما جاءه من الحق وهو على بينة من ربه لا يلتفت إلى المشهور ، ولا يبالي إذا أصاب الحق من مخالفة الجمهور ، فان الجمهور ساكنون في بيت حجابهم مقيمون في اوّل نشأتهم ومقامهم ، وهو مسافر من مقامه مهاجر إلى اللّه ورسوله ، والمسافر لا بد له من مخالفة المقيم ، فان وافق ذلك نظر أبناء الزمان وأصحاب البحث والبيان ، فهو الّذي نرومه منهم ونهواه ، وان لم يوافق نظرهم ولم يهتدوا بهداه ، فمعلوم ان الحق لا يوافق عقول قوم فسدت قرائحهم بامراض وعلل أعيت أطباء النفوس عن علاجهم ، حتى خوطب النبي الهادي عليه السلام : ب
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
( القصص - 56 ) ، فلا جرم إذا شرعوا في تحصيل العلم واقتباس النور ،
ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً اسْتِكْباراً فِي - الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
( الفاطر - 42 و 43 ) وليس لنا مع هؤلاء وأشباههم كلام وكتاب ، ولا بحث وجواب ولا نداء وخطاب ، حيثما قال تعالى :
وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها *
( الانعام - 25 ) .
وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله : ان من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه الا الراسخون فإذا نطقوا به لم ينكره الا أهل العزة باللّه .
ثم اعلموا يا اخوانى المؤمنين : ان علم الحديث كعلم القرآن مشتمل على ظاهر وباطن ومجمل ومبين وتفسير وتأويل ومحكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ ، وكما أن
هامش
( 1 ) هبا وهبوبا وهبيبا وهبابا : نشط واسرع ، وهب الرجل من النوم : انتبه واستيقظ .